الحجب والتشريك في الأوقاف

قراءة فقهية–نظامية في توزيع الاستحقاق وضبط الإرادة الوقفية

د. محمد عيدروس باروم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

تتناول هذه الدراسة إحدى الإشكالات التطبيقية الدقيقة في إدارة الأوقاف، والمتمثلة في العلاقة بين مفهومي الحجب والتشريك عند توزيع غلة الوقف. وتهدف إلى تحرير المصطلحين تحريرًا فقهيًا منضبطًا، وبيان الفروق الجوهرية بينهما، وتأصيل الضوابط الشرعية والنظامية الحاكمة لتطبيقهما في الواقع المعاصر.

اعتمد البحث المنهج الاستقرائي التحليلي لنصوص الفقهاء في المذاهب الأربعة، والمنهج الاستنباطي المقاصدي في فهم شروط الواقفين، مع قراءة تطبيقية لأبرز الإشكالات القضائية والإدارية المستجدة.

وخلصت الدراسة إلى أن الخلط بين الحجب والتشريك يمثل مدخلًا رئيسيًا للنزاعات الوقفية، وأن إعادة مركزية شرط الواقف، في إطار حوكمة شرعية وإدارية محكمة، تمثل المسار الأجدر بضبط الاستحقاق وتحقيق العدالة الوقفية واستدامتها.

الكلمات المفتاحية: الوقف، الحجب، التشريك، شرط الواقف، النظارة، الاستحقاق، الحوكمة الوقفية.


تمهيد: إشكالية الدراسة ومنهجها

يُعد الوقف من أعظم مؤسسات التكافل والتنمية في التشريع الإسلامي، غير أن إدارته وتوزيع غلته يواجهان إشكالات تراكمية؛ يأتي في مقدمتها تداخل مفهومي الحجب والتشريك في ذهنية النظار والقضاة على السواء، مما يفضي إلى اجتهادات متعارضة، ونزاعات أسرية ممتدة، واستنزاف للريع الوقفي في غير مقاصده.

تتبلور إشكالية الدراسة في التساؤل الآتي: كيف يمكن ضبط العلاقة بين الحجب والتشريك في الأوقاف وفق رؤية فقهية–نظامية تحقق مقصد الواقف، وتمنع الاجتهادات المتعسفة، وتضمن استدامة الوقف؟

وللإجابة عن هذا التساؤل، سلك الباحث منهجًا استقرائيًا لنصوص الفقهاء في المذاهب الأربعة، ومنهجًا تحليليًا للصكوك الوقفية والنماذج القضائية، مع استنطاق المقاصد الشرعية الكلية الحاكمة لفقه الأوقاف.

أولًا: المدخل المفاهيمي

يقوم الوقف في بنائه الشرعي على أصلين متلازمين: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة. وبهما يتحقق مقصده في استدامة البر والعطاء الخيري عبر الأجيال، دون أن يتحول إلى مالٍ قابل للتداول أو التفكك أو التوريث.

غير أن الإشكال العملي في إدارة الأوقاف لا يظهر غالبًا في صحة إنشائها، بل في آلية توزيع غلتها بين مستحقيها. وهنا تتداخل مفاهيم دقيقة، من أبرزها الحجب والتشريك، ويقع الخلط بينهما في التطبيق، فتتحول قواعد التنظيم إلى أدوات إقصاء، أو تُفهم المشاركة على أنها مساواة مطلقة لا يعضدها نص، أو يُحمَّل الوقف قواعد المواريث الجبرية خلافًا لطبيعته التعاقدية.

ومن ثم، فإن إعادة قراءة هذين المفهومين قراءة فقهية–نظامية ضرورة علمية، لا مجرد ترف تنظيري، بل حاجة عملية ملحة لضبط العمل الوقفي في دواوله الحديثة.

ثانيًا: الحجب في الوقف – المفهوم والضوابط

١. التعريف

الحجب في الوقف هو: منع شخصٍ أو طبقةٍ من الاستحقاق في غلة الوقف، بموجب شرطٍ صريحٍ للواقف، أو لانتفاء وصفٍ معتبرٍ شرعًا اشترطه الواقف.

وهذا المفهوم يغاير الحجب في المواريث اختلافًا جوهريًا؛ لأن الوقف محكوم بإرادة الواقف ابتداءً، لا بقواعد الفرائض الجبرية، ولا بالأعراف الطارئة، ولا بالأولويات الاجتماعية المستحدثة.

٢. أنواع الحجب

يتنوع الحجب في الوقف بحسب مصدره وطبيعته إلى ثلاثة أنواع رئيسية:

أ- الحجب بنص الواقف الصريح:
كأن يشترط الواقف أن يكون الاستحقاق للذكور دون الإناث، أو للفقراء دون الأغنياء، أو للساكنين في بلد معين دون غيره. وهذا النوع هو الأقوى، ويجب العمل به ما لم يخالف مقصدًا شرعيًا قطعيًا.

ب- الحجب بالوصف المعتبر:
كاشتراط العلم، أو الصلاح، أو الحرفية، أو غيرها من الأوصاف التي جعلها الواقف مدارًا للاستحقاق. فإذا انتفى الوصف عن شخص معين، انقطع استحقاقه حجبًا، فإذا عاد الوصف عاد الاستحقاق.

ج- الحجب بالانقطاع الطبقي:
وهو ما يقع في الأوقاف الطبقية (الذرية خاصة)، حيث ينتقل الاستحقاق إلى الطبقة التالية عند انقراض الطبقة السابقة انقراضًا حقيقيًا أو حكميًا.

٣. الضابط الفقهي

أصل هذه المسألة ما قرره الفقهاء من أن: «شرط الواقف كنص الشارع»، يُعمل به ما لم يخالف نصًا قطعيًا أو مقصدًا شرعيًا كليًا. وقد نص ابن قدامة في المغني (٦/٢٧) على أن العمل يكون بشرط الواقف إذا كان واضحًا غير متناقض، وهو أصل استقر عليه القضاء الإسلامي عبر العصور، وأيدته المجامع الفقهية المعاصرة.

وعليه، فإن الحجب لا يكون مشروعًا ولا نافذًا إلا بدليل بيّن من حجة الوقف، أو من المقتضى الشرعي المتصل بها، لا بتأويل متعسف، ولا بعرف حادث، ولا باجتهاد قضائي ينقض شرط الواقف.

ثالثًا: التشريك في الوقف – الماهية والصور

١. التعريف

التشريك في الوقف هو: إشراك أكثر من مستحق في غلة الوقف في زمن واحد، وفق نسبة أو قاعدة محددة نص عليها الواقف، أو دل عليها سياق عبارته، أو اقتضتها طبيعة الوقف.

٢. صور التشريك

تتنوع صور التشريك بتنوع مقاصد الواقفين وحاجات المستحقين، وأبرزها:

أ- التشريك على الرؤوس:
وهو التسوية بين جميع المستحقين في القدر المحصل من الغلة، بغض النظر عن جنسهم أو سنهم أو حاجتهم.

ب- التشريك بالحصة المتفاضلة:
كأن يكون للذكر مثل حظ الأنثيين، أو للأقرب ضعف الأبعد، أو نحو ذلك من النسب التي يحددها الواقف.

ج- التشريك الطبقي:
وهو ترتيب الاستحقاق بين طبقات متعاقبة، مع إمكانية اشتراك الطبقات جميعًا في الغلة، أو تقديم طبقة على أخرى.

د- التشريك بالنوع:
كالجمع بين الفقراء وطلبة العلم، أو بين الأقارب والجيران، بنسب متفاوتة.

والتشريك في جوهره تنظيم للاشتراك، لا إلغاء للفروق التي أرادها الواقف، ولا مساواة جبرية تخالف شرطه.

رابعًا: الفروق الجوهرية بين الحجب والتشريك

ليس التمييز بين الحجب والتشريك مجرد اصطلاح لغوي أو تنظير أكاديمي، بل هو فارق جوهري له أثر مباشر في الحكم القضائي، وفي الإجراءات التنفيذية لإدارة الوقف، وفي توزيع الحقوق بين المستحقين.

من حيث الطبيعة: يعد الحجب إجراءً قائمًا على الإخراج أو المنع من أصل الاستحقاق، سواء كان هذا المنع كليًا أم جزئيًا، مؤقتًا أم دائمًا. في حين يقوم التشريك على الإدخال والإشراك في التوزيع، أي ضم مستحقين جدد أو متعددين إلى دائرة الانتفاع.

من حيث النتيجة: ينتهي الحجب إلى حرمان المستحق (كليًا أو جزئيًا) أو تعليق استحقاقه لحين تحقق وصف معين أو زوال مانع. بينما ينتهي التشريك إلى مشاركة فعلية في الريع السنوي للوقف، بنسبة محددة أو بالتساوي.

من حيث المستند: لا يثبت الحجب إلا بشرط صريح من الواقف، أو بانتفاء الوصف المعتبر شرعًا الذي جعله الواقف مدارًا للاستحقاق. ولا يجوز إثباته بالاجتهادات المرسلة، أو القياس على المواريث، أو الأعراف الطارئة. في المقابل، يثبت التشريك إما بنص الواقف، وإما بدلالة سياق عبارته التي تفيد الاشتراك في الغلة، وإما بطبيعة الوقف إذا كان على جهة عامة.

من حيث الأثر: الحجب يؤسس لعلاقة إقصاء (مؤقت أو دائم) بين المستحق والوقف. أما التشريك فيؤسس لعلاقة اشتراك دوري في العائد، تخضع للتجديد كل عام.

والفيصل في التمييز بينهما يظل دائمًا: نص الواقف، وسياق عبارته، والقواعد الفقهية المستقرة في فهم شروط الواقفين، مع مراعاة المقاصد الشرعية الكلية.

خامسًا: الإشكالات المعاصرة في تطبيقات الحجب والتشريك

من خلال قراءة التطبيقات القضائية والإدارية في عدد من الدول العربية والإسلامية، ودراسة الصكوك الوقفية والنزاعات الأسرية المرفوعة أمام المحاكم الشرعية ومراكز التحكيم، تتكرر المشكلات الآتية:

الإشكالات المتكررة

  1. إسقاط مستحقين بلا نص صريح من الواقف:
    وهو ما يحدث عندما يعمد بعض النظار إلى حجب فئة كاملة (كالإناث مثلًا) تأويلاً أو استحسانًا، دون أن يكون في حجة الوقف ما يوجب هذا الحجب.
  2. إسقاط قواعد الإرث على الوقف:
    وهو خطأ منهجي شائع؛ إذ يُحمَّل الوقف منطق المواريث وقسماتها الجبرية، مع أن الوقف يقوم على إرادة الواقف التعاقدية، لا على نظام الفرائض.
  3. إهمال قاعدة الاستقرار الوقفي:
    فبعض الاجتهادات المتعاقبة تؤدي إلى تغيير دوري في آلية التوزيع، مما يهدد استمرارية الوقف عبر الأجيال ويفقده صفة الاستدامة.
  4. اجتهاد الناظر بغير مرجعية فقهية أو نظامية:
    وهنا تتحول النظارة من أمانة إلى سلطة، فيصبح الناظر هو الذي يحدد المستحقين ومقادير استحقاقهم وفق هواه أو وفق الضغوط الأسرية.
  5. تحول الخلاف الفقهي إلى نزاع أسري ممتد:
    فبدل أن تكون المذاهب الفقهية رحمة وتوسعة، تتحول في بعض الأوقاف إلى أدوات صراع، يختار كل طرف المذهب الذي يناسب مصلحته.

وهذه الإشكالات لا تهدد العدالة بين المستحقين فحسب، بل تهدد استدامة الوقف ذاته، وتفقد المجتمع ثقته في المؤسسة الوقفية، وتفتح أبواب التقاضي بلا نهاية.

سادسًا: ضوابط التطبيق المهني للحجب والتشريك في إطار الحوكمة الوقفية

الضبط المهني للحجب والتشريك لم يعد مجرد خيار أخلاقي، بل هو ضرورة شرعية ونظامية لصيانة الأوقاف وتحقيق مقاصدها. ويقتضي هذا الضبط الالتزام بالآتي:

ضوابط التطبيق

  1. الرجوع إلى حجة الوقف الأصلية:
    وهي الوثيقة المنشئة للوقف، لا إلى الأعراف الطارئة، ولا إلى الاجتهادات المرسلة، ولا إلى ما جرت عليه العادة في فترة معينة.
  2. توثيق آلية التوزيع كتابة:
    مع بيان المستند الفقهي والنظامي لكل قرار، ونشره للمستحقين تحقيقًا للشفافية.
  3. تسبيب قرارات الحجب:
    فلا يجوز حجب مستحق إلا بسبب واضح، مدعم بدليل من شرط الواقف أو من المقتضى الشرعي، مع إمكانية المراجعة عند زوال السبب.
  4. الامتناع عن استحداث طبقات أو إسقاطها:
    فلا يحق للناظر ولا للقاضي إضافة طبقة استحقاق جديدة لم ينص عليها الواقف، ولا إسقاط طبقة نص عليها، إلا إذا ثبت انقراضها حقيقة.
  5. إشراك المستحقين في المعرفة:
    وإن لم يشاركوا في القرار، تحقيقًا لمبدأ الشفافية، ودرءًا للتهمة، وبناءً للثقة بين الناظر والمستحقين.
  6. الاستئناس بالخبرة الفقهية والمحاسبية:
    فالناظر وحده -وإن كان عدلاً- لا يكفي لتقدير المصالح المعقدة في الأوقاف الكبيرة، بل لا بد من فرق استشارية متخصصة.

إن الحوكمة الوقفية هنا ليست بديلاً عن الفقه، ولا ترفًا إداريًا، بل هي امتداد طبيعي للفقه، وآلية تنفيذية تحقق مقاصده وتحولها من نصوص نظرية إلى ممارسات عملية مستقرة.

سابعًا: الخلاصة والنتائج

الخلاصة والنتائج

  1. الحجب والتشريك ليسا مجرد أدوات تقنية لتقسيم الغلة، بل هما معياران دقيقان لاختبار عدالة إدارة الوقف وكفاءة الناظر وفهمه للمقاصد الشرعية.
  2. الخلط بينهما –وإن بدا يسيرًا في نظر البعض– قد يؤدي إلى أكل مال الوقف بالباطل، وظهور الظلم، وانهدام الثقة، واستنزاف الوقف في نزاعات عقيمة.
  3. إعادة الاعتبار لشرط الواقف، بضوابطه ومقاصده، هي المدخل الصحيح لحل معضلات التوزيع في الأوقاف الذرية والخيرية على السواء.
  4. لا يمكن فصل الجانب الفقهي عن الجانب الإداري في إدارة الأوقاف؛ فالوقف يُدار بالفقه قبل الحساب، وبالأمانة قبل الصلاحية.
  5. الحوكمة الوقفية ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة شرعية لضبط استحقاقات الوقف وحمايتها من العبث والتأويل.

ثامنًا: التوصيات

في ضوء ما تقدم، يوصي الباحث بما يأتي:

١. إعداد دليل معياري للحجب والتشريك
يصدر عن الجهات الإشرافية العليا (كالهيئات العامة للأوقاف، والمجالس الإسلامية للإفتاء)، يكون مرجعًا إلزاميًا للنظار والقضاة، يضبط المفاهيم والإجراءات، ويمنع الاجتهادات المتعارضة.

٢. إدراج فقه الأوقاف الطبقية في مناهج القضاء الشرعي
وتأهيل القضاة والنظار تأهيلًا مقاصديًا، يعمق فهمهم لطبيعة الوقف وتميزه عن الإرث والوصية وسائر التصرفات المالية.

٣. تفعيل آليات الوساطة الوقفية
وإنشاء مكاتب متخصصة للوساطة الأسرية في النزاعات الوقفية، لحلها قبل تحولها إلى تقاضي طويل يستنزف الوقف ويقطع صلة الرحم.

٤. توثيق شروط الواقفين في صكوك إلكترونية موحدة
تكون محفوظة في قواعد بيانات مركزية، تمنع التأويل الضيق أو الاجتهاد المخالف، وتحفظ إرادة الواقف عبر الزمن، وتجعلها في متناول النظار والقضاة بدقة ويسر.

٥. عقد دورات تأهيلية إلزامية للنظار
في فقه الأوقاف والحوكمة المالية والإفصاح المحاسبي، تجدد كل فترة، وتشمل اختبارات للكفاءة الشرعية والإدارية.

قائمة المصادر والمراجع

  1. ابن قدامة، عبد الله بن أحمد المقدسي. المغني. مكتبة القاهرة.
  2. البهوتي، منصور بن يونس. كشاف القناع عن متن الإقناع. دار الكتب العلمية.
  3. الحصني، تقي الدين أبو بكر. كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار. دار المنهاج.
  4. الزحيلي، وهبة مصطفى. الوقف في الفقه الإسلامي المعاصر. دار الفكر المعاصر.
  5. الشاطبي، إبراهيم بن موسى. الموافقات في أصول الشريعة. دار ابن عفان.
  6. الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. دار الكتب العلمية.
  7. المرداوي، علي بن سليمان. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف. دار عالم الكتب.
  8. ابن عابدين، محمد أمين. رد المحتار على الدر المختار. دار الفكر.
  9. الرملي، شمس الدين محمد بن أبي العباس. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج. دار الفكر.
  10. النووي، يحيى بن شرف. روضة الطالبين وعمدة المفتين. المكتب الإسلامي.
  11. أبو زهرة، محمد. محاضرات في الوقف. دار الفكر العربي.
  12. القرة داغي، علي محيي الدين. فقه الأوقاف: دراسة مقاصدية تطبيقية. مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي.

والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


روابط التواصل

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة