ما وراء الامتثال الإجرائي: الآليات المعرفية لفشل الحوكمة تحت الضغط | د. محمد باروم

ما وراء الامتثال الإجرائي: الآليات المعرفية لفشل الحوكمة تحت الضغط من منظور الحوكمة السلوكية وعبر عدسة السرد الكلاسيكي

Beyond Procedural Compliance: Cognitive Mechanisms of Governance Failure Under Pressure from a Behavioral Governance Perspective and Through a Classical Narrative Lens

Abstract visualization of cognitive distortion within governance structures under pressure
Figure . Conceptual representation of governance distortion under pressure. The deformation within a rigid structure illustrates how internal cognitive bias drives distorted risk perception and governance failure.
الملخص
تسعى هذه الدراسة إلى إعادة تفسير فشل الحوكمة في البيئات التنظيمية الضاغطة من خلال تجاوز التفسير الإجرائي التقليدي الذي يربط الإخفاق بضعف اللوائح أو قصور الضبط الداخلي فحسب. وتنطلق الورقة من فرضية أن الفشل الحوكمي قد يبدأ، في كثير من الحالات، قبل لحظة تعثر الضوابط الرسمية، وتحديدًا عند مستوى الإدراك؛ أي حين تُفعَّل التحيزات المعرفية تحت ضغط الموارد والزمن، فينتج عنها تشوه في تقدير المخاطر، والتزام مفرط غير مسنود، ثم إعادة تأطير للمسؤولية بعد الفشل. ويستند الإطار النظري المقترح إلى دمج خمس كتل أدبية رئيسة: نظرية الاحتمال والتحيزات، ونظرية الجمود تحت التهديد، وأدبيات تصعيد الالتزام، والمنظور السلوكي للحوكمة، ونظرية صنع المعنى والعزو السببي. كما توظف الدراسة السرد الكلاسيكي بوصفه عدسة تحليلية مولدة للفرضيات، لا بوصفه بديلًا عن الاختبار التجريبي. وتقترح الورقة نموذجًا مفاهيميًا يربط بين ضغط الموارد، والتحيز الإدراكي، وتشوه إدراك المخاطر، وجودة القرار، وفشل الضوابط، وانزياح المسؤولية، مع افتراض دور معدِّل لقوة الحوكمة. وتقدم الدراسة كذلك تصميمًا تجريبيًا عامليًا من نوع 2×2 وأداة أولية لقياس انزياح المسؤولية الحوكمي. وتتمثل مساهمتها في نقل النقاش من سؤال "هل توجد ضوابط؟" إلى سؤال "هل تمنع الحوكمة تشوه الإدراك قبل أن يُنتج قرارًا ضعيفًا؟". وتشير الأدبيات ذات الصلة إلى أن الحوكمة السلوكية، والثقافة الأخلاقية، وفهم آليات التبرير والعزو، تمثل مسارات واعدة لإثراء فهم القرار المؤسسي تحت الضغط.
الكلمات المفتاحية: الحوكمة السلوكية، ضغط الموارد، التحيزات المعرفية، الثقة المفرطة، وهم السيطرة، تصعيد الالتزام، صنع المعنى، انزياح المسؤولية.
Abstract
This study revisits governance failure in pressured organizational settings by moving beyond the dominant procedural view that explains failure mainly through weak controls or insufficient compliance structures. It argues that governance failure often begins earlier, at the cognitive level, when resource pressure and time urgency activate biases that distort risk perception, produce overcommitment, and trigger post-failure responsibility reframing. The proposed framework integrates five major streams of literature: prospect theory and cognitive biases, threat-rigidity theory, escalation of commitment, behavioral governance, and sensemaking and attribution theory. Classical narrative is used here as a hypothesis-generating analytical lens, not as a substitute for empirical inquiry. The paper develops a conceptual model linking resource pressure, cognitive bias, distorted risk perception, decision quality, control failure, and responsibility drift, while positing a moderating role for governance strength. It also proposes a 2×2 factorial experimental design and an initial Responsibility Drift Scale. The study's main contribution lies in shifting the inquiry from "Are formal controls in place?" to "Can governance mechanisms interrupt distorted cognition before it becomes flawed judgment?" Related research suggests that behavioral governance, ethical culture, and post-failure attribution processes provide a promising foundation for understanding organizational decision-making under pressure.
Keywords: behavioral governance, resource pressure, cognitive bias, overconfidence, illusion of control, escalation of commitment, sensemaking, responsibility drift.

مشكلة الدراسة

تكمن المشكلة العلمية في أن جزءًا معتبرًا من أدبيات الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال لا يزال يميل إلى الهيمنة الإجرائية؛ إذ يُفترض ضمنًا أن رفع كثافة السياسات والرقابة يكفي للحد من الفشل. غير أن المنظور السلوكي للحوكمة يبين أن الحكم والرقابة لا يُمارسان فقط من خلال الهياكل الرسمية، بل أيضًا من خلال العمليات الإدراكية، والتفاعلات، والائتلافات، وآليات التفسير داخل مجالس الإدارة والقيادات التنفيذية. كما تُظهر مراجعات حديثة لأدبيات التهديد التنظيمي أن الضغط قد يعيد تشكيل الانتباه والمعالجة المعرفية بطرق تزيد الجمود وتخفض جودة التقييم. ويعني ذلك أن الفشل قد يكون، في بعض السياقات، فشلًا في الإدراك قبل أن يكون فشلًا في الإجراء.

الفرضيات

الفرضيات بالعربية

ف1: توجد علاقة طردية ذات دلالة بين ضغط الموارد وارتفاع مستوى التحيزات الإدراكية، ولا سيما الثقة المفرطة ووهم السيطرة.
ف2: يؤدي ارتفاع التحيز الإدراكي إلى تشوه إدراك المخاطر، بما ينعكس سلبًا على جودة القرار الحوكمي.
ف3: تخفف قوة الحوكمة الإجرائية والرقابة المستقلة من الأثر السلبي لضغط الموارد على التحيز الإدراكي.
ف4: يرتبط فشل الضوابط الناتج عن تشوه إدراك المخاطر بارتفاع مستويات انزياح المسؤولية بعد الفشل.
ف5: تعدّل قوة الحوكمة العلاقة بين فشل الضوابط وانزياح المسؤولية؛ ففي البيئات ذات الحوكمة الأقوى يكون العزو السببي أكثر توازنًا، بينما تميل البيئات الأضعف إلى العزو الخارجي الدفاعي.
ف6: تكون المتغيرات المعرفية تحت ظروف الضغط العالي أكثر قدرة على تفسير ضعف القرار الحوكمي من المتغيرات الإجرائية وحدها.

Hypotheses in English

H1: Resource pressure is positively associated with higher levels of cognitive bias, particularly overconfidence and illusion of control.
H2: Higher cognitive bias leads to distorted risk perception, which in turn reduces governance decision quality.
H3: Strong governance mechanisms and independent oversight weaken the negative effect of resource pressure on cognitive bias.
H4: Control failure resulting from distorted risk perception is positively associated with higher levels of post-failure responsibility drift.
H5: Governance strength moderates the relationship between control failure and responsibility drift; under stronger governance, causal attributions are more balanced, whereas weaker governance is associated with more defensive external attribution.
H6: Under high-pressure conditions, cognitive variables explain governance decision failure more strongly than procedural variables alone.

مراجعة الأدبيات

1. الحوكمة السلوكية: من البنية الرسمية إلى عمليات الإدراك والتفاعل

قدّم van Ees وGabrielsson وHuse طرحًا تأسيسيًا مهمًا حين دعوا إلى تطوير نظرية سلوكية لمجالس الإدارة والحوكمة، بدل الاكتفاء بالمنظور الاقتصادي أو الوكالي الضيق. وتركز هذه المقاربة على التفاعلات داخل غرفة المجلس وخارجها، وعلى الائتلافات، والمساومات، وصنع القرار الفعلي، لا على البنية القانونية المجردة فقط. كما دعمت أعمال لاحقة في Academy of Management Annals هذا الاتجاه عبر اقتراح نظرية سلوكية للحوكمة المؤسسية تنطلق من الفاعلية الاجتماعية المتموضعة، بما يعني أن الحكم المؤسسي لا يُفهم بمعزل عن السياق الإدراكي والاجتماعي لمن يمارسونه. وهذا التحول مهم للدراسة الحالية لأنه يبرر الانتقال من سؤال الضبط الشكلي إلى سؤال: كيف تُنتج العقول والجماعات داخل الحوكمة أحكامًا قد تكون متحيزة أو دفاعية؟

2. الضغط التنظيمي ونظرية الجمود تحت التهديد

تعد نظرية Threat-Rigidity من أكثر الأطر تأثيرًا في تفسير استجابة الأفراد والمنظمات للتهديد. فالدراسة الكلاسيكية لـ Staw وSandelands وDutton بينت أن التهديد يميل إلى تضييق الانتباه، وتقوية المركزية، وتقليل مدى البحث عن بدائل. كما أن مراجعة حديثة واسعة للأدبيات نُشرت عام 2024 أكدت استمرار صلاحية هذا الإطار، مع الدعوة إلى تطوير فهم أدق للظروف التي تجعل الجمود أو الصلابة استجابة راجحة تحت التهديدات المعاصرة، مثل اضطرابات سلاسل الإمداد والأزمات الاقتصادية. بالنسبة لهذه الورقة، لا يمثّل ضغط الموارد متغيرًا ظرفيًا ثانويًا، بل المحرك الأول الذي يعيد تشكيل البيئة المعرفية لصانع القرار.

3. التحيزات المعرفية: الثقة المفرطة ووهم السيطرة

أعادت نظرية الاحتمال، كما راجعها Barberis بعد ثلاثة عقود من تطويرها، تأكيد أن الأفراد لا يقيّمون المخاطر وفق نموذج عقلاني كامل، بل يتأثرون بطرائق التأطير والانحيازات الإدراكية. كما بينت مراجعات أحدث حول أثر التحيزات المعرفية في قرارات المهنيين أن المديرين والمهنيين ليسوا محصنين ضد هذه الانحيازات، وأن الثقة المفرطة ووهم السيطرة من أكثرها صلة بسوء تقدير المخاطر والاعتماد الزائد على الحكم الشخصي. وتدعم دراسات حديثة في التمويل والحوكمة المؤسسية هذه الفكرة بإظهار أن فرط الثقة التنفيذي يرتبط بارتفاع الميل للمخاطرة وضعف الأداء غير المالي أو ازدياد احتمالات سوء السلوك المؤسسي. وعليه، فإن الورقة الحالية لا تتعامل مع الثقة المفرطة بوصفها نزعة نفسية معزولة، بل بوصفها آلية سببية تنتقل بضغط الموارد إلى قرارات أكثر هشاشة.

4. تصعيد الالتزام واستدامة القرار الضعيف

يُعد تصعيد الالتزام من المفاهيم المركزية لفهم سبب استمرار الأفراد والجماعات في دعم مساراتٍ ضعيفة أو خاسرة. وقد أظهر Staw في دراسته الكلاسيكية أن الفاعلين قد يغوصون "أعمق في المستنقع" حين يشعرون بالمسؤولية عن قرار سابق. كما دعمت دراسات لاحقة هذا الاتجاه على مستوى الأفراد والجماعات، وأكدت مراجعات متعددة المستويات أن تصعيد الالتزام لا يقتصر على التمسك بالمشروع المتعثر، بل يرتبط أيضًا بالحاجة النفسية إلى تبرير الاختيار السابق. ومن هنا، فإن الالتزام المفرط في هذه الدراسة ليس مجرد قرار أولي سريع، بل بداية دورة قد تنتهي بإعادة تفسير الفشل بدل التعلم منه.

5. صنع المعنى والعزو السببي بعد الفشل

تطرح نظرية Sensemaking عند Weick أن الأفراد والمنظمات لا يواجهون الأحداث الكبرى عبر التحليل المجرد وحده، بل عبر بناء معنى يُعيد تنظيم الواقع في صورة يمكن تحملها اجتماعيًا وتنظيميًا. وفي سياق الفشل، يتقاطع هذا المنظور مع نظرية العزو السببي، حيث يميل الفاعلون إلى توزيع المسؤولية على عوامل داخلية أو خارجية بما يحفظ الشرعية أو يخفف التهديد الهوياتي. وبالنسبة لهذه الدراسة، تمثل هذه الأدبيات أساسًا نظريًا لمفهوم انزياح المسؤولية؛ أي انتقال الخطاب من "نحن مسؤولون عن القرار" إلى "الظروف أو المعلومات أو حدود الدور هي السبب الرئيس في النتيجة". هذا لا يعني أن كل عزو خارجي دفاعي بالضرورة، لكنه يفرض ضرورة التمييز بين الاعتراف المشروع بحدود المعرفة والتبرير الدفاعي.

6. الثقافة الأخلاقية والامتثال بوصفهما سياقًا لا مجرد إجراء

أظهرت مراجعة شاملة نُشرت في Business Ethics Quarterly عام 2024 أن الثقافة الأخلاقية تؤدي دورًا حاسمًا في صنع القرار الأخلاقي داخل المنظمات، وأنها تعمل بوصفها وسيطًا ومعدّلًا في العلاقة بين البنية الرسمية والسلوك الفعلي. وهذا مهم للدراسة الحالية لأن امتلاك السياسات الرسمية لا يكفي إذا كانت البيئة الإدراكية والتنظيمية تشجع على الثقة الزائدة، أو على تبرير الفشل بعد وقوعه بدل مراجعته. كما أن الأعمال الحديثة في أخلاقيات الأعمال وصنع المعنى الأخلاقي تدعم فكرة أن الفاعلين يبنون تفسيراتهم للأحداث ضمن نسيج تنظيمي وعاطفي، لا ضمن فراغ إجرائي. لذا، فإن الحوكمة القوية في هذا النموذج ليست فقط "سياسات أكثر"، بل ثقافة فحص ومساءلة تقلل مساحة الوهم الإدراكي والتبرير اللاحق.

التموضع النظري

لا تدّعي هذه الدراسة أن السرد الكلاسيكي بديل عن المنهج التجريبي أو عن الأدبيات الإدارية الحديثة. بل تتعامل معه بوصفه عدسة تحليلية مولدة للفرضيات تكشف بنية سببية يمكن اختبارها بوسائل علمية معاصرة. فالمساهمة ليست في "تفسير نص" بقدر ما هي في "تحويل بنية سردية كثيفة إلى نموذج سلوكي-حوكمي قابل للفحص". وهذا التموضع أكثر قبولًا تحكيميًا لأنه يجعل المرجعية النظرية الأساسية في الأدبيات السلوكية والإدارية الحديثة، مع استخدام السرد بوصفه cognitive archetype يساعد على بلورة الأسئلة والمتغيرات.

References

  • Barberis, N. C. (2013). Thirty years of prospect theory in economics: A review and assessment. Journal of Economic Perspectives, 27(1), 173–196.
  • Roy, A., Newman, A., Round, H., & Bhattacharya, S. (2024). Ethical culture in organizations: A review and agenda for future research. Business Ethics Quarterly, 34(1), 97–138.
  • Staw, B. M. (1976). Knee-deep in the big muddy: A study of escalating commitment to a chosen course of action. Organizational Behavior and Human Performance, 16(1), 27–44.
  • Staw, B. M. (1981). The escalation of commitment to a course of action. Academy of Management Review, 6(4), 577–587.
  • Staw, B. M., Sandelands, L. E., & Dutton, J. E. (1981). Threat-rigidity effects in organizational behavior: A multilevel analysis. Administrative Science Quarterly, 26(4), 501–524.
  • van Ees, H., Gabrielsson, J., & Huse, M. (2009). Toward a behavioral theory of boards and corporate governance. Corporate Governance: An International Review, 17(3), 307–319.
  • Westphal, J. D., & Zajac, E. J. (2013). A behavioral theory of corporate governance. Academy of Management Annals, 7(1), 607–661.
  • Weick, K. E. (1995). Sensemaking in organizations. Sage.
  • Bazerman, M. H., Giuliano, T., & Appelman, A. (1984). Escalation of commitment in individual and group decision making. Organizational Behavior and Human Performance, 33(2), 141–152.
  • Berthet, V. (2022). The impact of cognitive biases on professionals' decision-making: A review. Frontiers in Psychology, 12, Article 746785.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة