ما وراء الامتثال الإجرائي: الآليات المعرفية لفشل الحوكمة تحت الضغط من منظور الحوكمة السلوكية وعبر عدسة السرد الكلاسيكي
Beyond Procedural Compliance: Cognitive Mechanisms of Governance Failure Under Pressure from a Behavioral Governance Perspective and Through a Classical Narrative Lens
مشكلة الدراسة
تكمن المشكلة العلمية في أن جزءًا معتبرًا من أدبيات الحوكمة وإدارة المخاطر والامتثال لا يزال يميل إلى الهيمنة الإجرائية؛ إذ يُفترض ضمنًا أن رفع كثافة السياسات والرقابة يكفي للحد من الفشل. غير أن المنظور السلوكي للحوكمة يبين أن الحكم والرقابة لا يُمارسان فقط من خلال الهياكل الرسمية، بل أيضًا من خلال العمليات الإدراكية، والتفاعلات، والائتلافات، وآليات التفسير داخل مجالس الإدارة والقيادات التنفيذية. كما تُظهر مراجعات حديثة لأدبيات التهديد التنظيمي أن الضغط قد يعيد تشكيل الانتباه والمعالجة المعرفية بطرق تزيد الجمود وتخفض جودة التقييم. ويعني ذلك أن الفشل قد يكون، في بعض السياقات، فشلًا في الإدراك قبل أن يكون فشلًا في الإجراء.
الفرضيات
الفرضيات بالعربية
Hypotheses in English
مراجعة الأدبيات
1. الحوكمة السلوكية: من البنية الرسمية إلى عمليات الإدراك والتفاعل
قدّم van Ees وGabrielsson وHuse طرحًا تأسيسيًا مهمًا حين دعوا إلى تطوير نظرية سلوكية لمجالس الإدارة والحوكمة، بدل الاكتفاء بالمنظور الاقتصادي أو الوكالي الضيق. وتركز هذه المقاربة على التفاعلات داخل غرفة المجلس وخارجها، وعلى الائتلافات، والمساومات، وصنع القرار الفعلي، لا على البنية القانونية المجردة فقط. كما دعمت أعمال لاحقة في Academy of Management Annals هذا الاتجاه عبر اقتراح نظرية سلوكية للحوكمة المؤسسية تنطلق من الفاعلية الاجتماعية المتموضعة، بما يعني أن الحكم المؤسسي لا يُفهم بمعزل عن السياق الإدراكي والاجتماعي لمن يمارسونه. وهذا التحول مهم للدراسة الحالية لأنه يبرر الانتقال من سؤال الضبط الشكلي إلى سؤال: كيف تُنتج العقول والجماعات داخل الحوكمة أحكامًا قد تكون متحيزة أو دفاعية؟
2. الضغط التنظيمي ونظرية الجمود تحت التهديد
تعد نظرية Threat-Rigidity من أكثر الأطر تأثيرًا في تفسير استجابة الأفراد والمنظمات للتهديد. فالدراسة الكلاسيكية لـ Staw وSandelands وDutton بينت أن التهديد يميل إلى تضييق الانتباه، وتقوية المركزية، وتقليل مدى البحث عن بدائل. كما أن مراجعة حديثة واسعة للأدبيات نُشرت عام 2024 أكدت استمرار صلاحية هذا الإطار، مع الدعوة إلى تطوير فهم أدق للظروف التي تجعل الجمود أو الصلابة استجابة راجحة تحت التهديدات المعاصرة، مثل اضطرابات سلاسل الإمداد والأزمات الاقتصادية. بالنسبة لهذه الورقة، لا يمثّل ضغط الموارد متغيرًا ظرفيًا ثانويًا، بل المحرك الأول الذي يعيد تشكيل البيئة المعرفية لصانع القرار.
3. التحيزات المعرفية: الثقة المفرطة ووهم السيطرة
أعادت نظرية الاحتمال، كما راجعها Barberis بعد ثلاثة عقود من تطويرها، تأكيد أن الأفراد لا يقيّمون المخاطر وفق نموذج عقلاني كامل، بل يتأثرون بطرائق التأطير والانحيازات الإدراكية. كما بينت مراجعات أحدث حول أثر التحيزات المعرفية في قرارات المهنيين أن المديرين والمهنيين ليسوا محصنين ضد هذه الانحيازات، وأن الثقة المفرطة ووهم السيطرة من أكثرها صلة بسوء تقدير المخاطر والاعتماد الزائد على الحكم الشخصي. وتدعم دراسات حديثة في التمويل والحوكمة المؤسسية هذه الفكرة بإظهار أن فرط الثقة التنفيذي يرتبط بارتفاع الميل للمخاطرة وضعف الأداء غير المالي أو ازدياد احتمالات سوء السلوك المؤسسي. وعليه، فإن الورقة الحالية لا تتعامل مع الثقة المفرطة بوصفها نزعة نفسية معزولة، بل بوصفها آلية سببية تنتقل بضغط الموارد إلى قرارات أكثر هشاشة.
4. تصعيد الالتزام واستدامة القرار الضعيف
يُعد تصعيد الالتزام من المفاهيم المركزية لفهم سبب استمرار الأفراد والجماعات في دعم مساراتٍ ضعيفة أو خاسرة. وقد أظهر Staw في دراسته الكلاسيكية أن الفاعلين قد يغوصون "أعمق في المستنقع" حين يشعرون بالمسؤولية عن قرار سابق. كما دعمت دراسات لاحقة هذا الاتجاه على مستوى الأفراد والجماعات، وأكدت مراجعات متعددة المستويات أن تصعيد الالتزام لا يقتصر على التمسك بالمشروع المتعثر، بل يرتبط أيضًا بالحاجة النفسية إلى تبرير الاختيار السابق. ومن هنا، فإن الالتزام المفرط في هذه الدراسة ليس مجرد قرار أولي سريع، بل بداية دورة قد تنتهي بإعادة تفسير الفشل بدل التعلم منه.
5. صنع المعنى والعزو السببي بعد الفشل
تطرح نظرية Sensemaking عند Weick أن الأفراد والمنظمات لا يواجهون الأحداث الكبرى عبر التحليل المجرد وحده، بل عبر بناء معنى يُعيد تنظيم الواقع في صورة يمكن تحملها اجتماعيًا وتنظيميًا. وفي سياق الفشل، يتقاطع هذا المنظور مع نظرية العزو السببي، حيث يميل الفاعلون إلى توزيع المسؤولية على عوامل داخلية أو خارجية بما يحفظ الشرعية أو يخفف التهديد الهوياتي. وبالنسبة لهذه الدراسة، تمثل هذه الأدبيات أساسًا نظريًا لمفهوم انزياح المسؤولية؛ أي انتقال الخطاب من "نحن مسؤولون عن القرار" إلى "الظروف أو المعلومات أو حدود الدور هي السبب الرئيس في النتيجة". هذا لا يعني أن كل عزو خارجي دفاعي بالضرورة، لكنه يفرض ضرورة التمييز بين الاعتراف المشروع بحدود المعرفة والتبرير الدفاعي.
6. الثقافة الأخلاقية والامتثال بوصفهما سياقًا لا مجرد إجراء
أظهرت مراجعة شاملة نُشرت في Business Ethics Quarterly عام 2024 أن الثقافة الأخلاقية تؤدي دورًا حاسمًا في صنع القرار الأخلاقي داخل المنظمات، وأنها تعمل بوصفها وسيطًا ومعدّلًا في العلاقة بين البنية الرسمية والسلوك الفعلي. وهذا مهم للدراسة الحالية لأن امتلاك السياسات الرسمية لا يكفي إذا كانت البيئة الإدراكية والتنظيمية تشجع على الثقة الزائدة، أو على تبرير الفشل بعد وقوعه بدل مراجعته. كما أن الأعمال الحديثة في أخلاقيات الأعمال وصنع المعنى الأخلاقي تدعم فكرة أن الفاعلين يبنون تفسيراتهم للأحداث ضمن نسيج تنظيمي وعاطفي، لا ضمن فراغ إجرائي. لذا، فإن الحوكمة القوية في هذا النموذج ليست فقط "سياسات أكثر"، بل ثقافة فحص ومساءلة تقلل مساحة الوهم الإدراكي والتبرير اللاحق.
التموضع النظري
لا تدّعي هذه الدراسة أن السرد الكلاسيكي بديل عن المنهج التجريبي أو عن الأدبيات الإدارية الحديثة. بل تتعامل معه بوصفه عدسة تحليلية مولدة للفرضيات تكشف بنية سببية يمكن اختبارها بوسائل علمية معاصرة. فالمساهمة ليست في "تفسير نص" بقدر ما هي في "تحويل بنية سردية كثيفة إلى نموذج سلوكي-حوكمي قابل للفحص". وهذا التموضع أكثر قبولًا تحكيميًا لأنه يجعل المرجعية النظرية الأساسية في الأدبيات السلوكية والإدارية الحديثة، مع استخدام السرد بوصفه cognitive archetype يساعد على بلورة الأسئلة والمتغيرات.
References
- Barberis, N. C. (2013). Thirty years of prospect theory in economics: A review and assessment. Journal of Economic Perspectives, 27(1), 173–196.
- Roy, A., Newman, A., Round, H., & Bhattacharya, S. (2024). Ethical culture in organizations: A review and agenda for future research. Business Ethics Quarterly, 34(1), 97–138.
- Staw, B. M. (1976). Knee-deep in the big muddy: A study of escalating commitment to a chosen course of action. Organizational Behavior and Human Performance, 16(1), 27–44.
- Staw, B. M. (1981). The escalation of commitment to a course of action. Academy of Management Review, 6(4), 577–587.
- Staw, B. M., Sandelands, L. E., & Dutton, J. E. (1981). Threat-rigidity effects in organizational behavior: A multilevel analysis. Administrative Science Quarterly, 26(4), 501–524.
- van Ees, H., Gabrielsson, J., & Huse, M. (2009). Toward a behavioral theory of boards and corporate governance. Corporate Governance: An International Review, 17(3), 307–319.
- Westphal, J. D., & Zajac, E. J. (2013). A behavioral theory of corporate governance. Academy of Management Annals, 7(1), 607–661.
- Weick, K. E. (1995). Sensemaking in organizations. Sage.
- Bazerman, M. H., Giuliano, T., & Appelman, A. (1984). Escalation of commitment in individual and group decision making. Organizational Behavior and Human Performance, 33(2), 141–152.
- Berthet, V. (2022). The impact of cognitive biases on professionals' decision-making: A review. Frontiers in Psychology, 12, Article 746785.
تعليقات
إرسال تعليق