ESG: من قياس الأداء إلى فحص البنية المؤسسية

ESG من قياس الأداء إلى فحص البنية المؤسسية

بقلم: د. محمد عيدروس باروم
تصور مفاهيمي يوضح انتقال ESG من قياس الأداء إلى تشخيص البنية المؤسسية والإشارات المؤسسية الكامنة خلف النتائج.

ثمة خطأ معرفي شائع في قراءة تقارير ESG يتمثل في تقديمها إطاراً لقياس أثر المنظمة على البيئة والمجتمع والحوكمة. هذه القراءة ليست خاطئة تماماً، لكنها تبقى على السطح وتفوّت الوظيفة الأعمق لهذه التقارير. فالمنظور المؤسسي الأدق لا يرى ESG أداةً لقياس الأثر فحسب، ولا حتى أداةً لقياس قدرة المنظمة على إدارة المخاطر غير المالية، بل يرى فيه قبل ذلك إطاراً للكشف المبكر عن جودة البنية المؤسسية التي تُنتج تلك النتائج وتلك القدرة معاً. وهذا التمييز ليس تدقيقاً لغوياً، بل تحول في طبيعة المعلومة التي يُنتجها التقرير ويُفصح عنها.

التقرير المالي التقليدي يفسّر ما حدث للمنظمة، أي أنه أداة رجعية تعكس نتائج قرارات سابقة. تقرير ESG بطبيعته استشرافي، إذ يرصد العوامل التي تتشكّل منها النتائج القادمة قبل أن تتبلور في أرقام مالية. ولهذا أصبحت الجهات التنظيمية والممولون والمستثمرون يتعاملون معه بوصفه أداة تقييم مخاطر لا أداة قيم اجتماعية فحسب. المخاطر غير المالية باتت ذات أثر مالي موثّق، وما يبدأ انحرافاً بيئياً أو إخفاقاً في حوكمة العمالة يتحول بمرور الوقت إلى خسارة في القيمة السوقية أو تدخل تنظيمي مكلف.

تظهر الإشكالية البنيوية في الطريقة التي يُقدَّم بها ESG عادةً، حين تُعرض أبعاده الثلاثة كأنها متساوية الوزن ومتوازية في الدرجة. فالْحوكمة ليست بُعداً ثالثاً يُضاف إلى البيئي والاجتماعي بعد الانتهاء منهما، بل هي البنية المؤسسية التي تضبط الأبعاد الأخرى وتفسّر تفاوت الأداء فيها. ضعف الحوكمة ينعكس تلقائياً على الأداء البيئي والاجتماعي، لأن جذر المشكلة يقع في منشأ القرار لا في تفاصيل تنفيذه. وهذا يقتضي منهجياً أن يسبق تقييم الحوكمة تقييمَ البُعدين الآخرين، لا أن يلحق بهما.

وتتضح هذه الحقيقة عند تحليل الانهيارات المؤسسية الكبرى. ففي معظم حالات الفشل البيئي أو الاجتماعي الموثّقة، سبقت إشارات الحوكمة الإخفاقات الظاهرة بسنوات، لكنها لم تحظَ بالقدر الكافي من الانتباه. فاستقلالية الرقابة المحدودة، وتمركز القرار، وضعف الإفصاح، وغياب آليات المساءلة الداخلية ليست مجرد تفصيلات إجرائية، بل مؤشرات مبكرة على هشاشة هيكلية قد تتجلى لاحقاً في إخفاقات بيئية أو اجتماعية أو في كليهما معاً.

ولا يعني ذلك أن تقارير ESG تكشف البنية المؤسسية بصورة مباشرة، فهذه البنية لا تُرى بذاتها، وإنما يُستدل عليها من خلال أنماط متكررة في المؤشرات والإفصاحات والممارسات التنظيمية. فالتقرير لا يعرض النظام المؤسسي نفسه، بل يعرض آثاره وانعكاسات قراراته. ومن هنا تنبع قيمته التشخيصية؛ إذ يتيح قراءة الإشارات المؤسسية المبكرة التي قد تدل على قوة البنية المؤسسية أو هشاشتها قبل أن تظهر آثارها المالية أو التشغيلية بصورة كاملة. وبعبارة أخرى، فإن ما تكشفه تقارير ESG الجيدة لا يقتصر على أداء المنظمة في محاورها الثلاثة، بل يمتد إلى استقراء جودة النظام المؤسسي الذي يقف خلف ذلك الأداء ويحدد سقفه وحدود استدامته.

وعلى المستوى التطبيقي، يختلف سياق القطاع الوقفي وغير الربحي عن سياق الشركات المدرجة في الأسواق المالية، إلا أن أهمية ESG فيه لا تقل، بل قد تكون أكبر في بعض الحالات. ففي هذا السياق لا يوجد سوق يُسعّر الأداء بصورة يومية، ولا مساهمون يُمارسون رقابة مباشرة من خلال التصويت على القرارات. ويجعل ذلك غياب أدوات القياس غير المالية أكثر خطورة وأعمق أثراً. فتقارير ESG في المنظمات الوقفية لا تقتصر على قياس الأداء، بل تمثل أداة لتقييم الاستدامة المؤسسية، أي قدرة المنظمة على الاستمرار وتحقيق غاياتها بمعزل عن الدعم الخارجي. كما تتيح فحص ما إذا كانت الأهداف التأسيسية تتحقق فعلياً أم تُقاس محاسبياً فحسب، وتؤدي في الوقت نفسه دوراً مهماً في تعزيز المساءلة أمام أصحاب المصلحة الذين لا يملكون بالضرورة أدوات رقابة رسمية كتلك المتاحة في الشركات المساهمة.

وعلى الرغم من التطور الكبير الذي شهدته تقارير ESG خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تواجه ثلاث إشكاليات منهجية رئيسة تحد من نضجها الكامل. تتمثل الأولى في تعدد الأطر والمعايير الدولية واختلافها، بما يُضعف قابلية المقارنة بين الإفصاحات. وتتمثل الثانية في تفاوت مستويات التحقق الخارجي، الأمر الذي يجعل جانباً من الإفصاحات معتمداً على المعلومات التي تقدمها الجهات المبلغة نفسها. أما الإشكالية الثالثة فتتمثل في ظاهرة التغليف الاستدامي، حيث يتسع أحياناً الفارق بين جودة الإفصاح وجودة الأثر الفعلي. واستجابة لهذه التحديات، تتجه الجهات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعدد من دول الخليج نحو مزيد من الإلزام والتوحيد ورفع متطلبات الإفصاح والتحقق.

لقد وسّع ESG نطاق المساءلة من قياس النتائج إلى فحص البنية المؤسسية التي أنتجت تلك النتائج. فلم يعد السؤال مقتصراً على: كم حققت المنظمة؟ بل امتد إلى أسئلة أكثر عمقاً: كيف حققت ذلك؟ وما المخاطر الكامنة خلفه؟ وهل تمتلك البنية المؤسسية القادرة على استدامته؟ ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لـ ESG لا تكمن في الإفصاح عن الأداء فحسب، بل في قدرته على الكشف عن جودة النظام المؤسسي الذي يقف خلف الأداء ويوجه مساره. فالمنظمات التي تستوعب هذا التحول تكتسب قدرة تشخيصية تتجاوز قراءة النتائج إلى فهم العوامل التي تنتجها، أما تلك التي تتعامل معه بوصفه التزاماً تنظيمياً فحسب، فتبقى حبيسة الطبقة السطحية من مفهوم لم يستنفد بعد إمكاناته التحليلية والتفسيرية.

تعليقات