نظرية صياغة المشكلة المؤسسية IPFT وفضاء المشكلة المؤسسية IPS

نظرية صياغة المشكلة المؤسسية (IPFT)

كيف تبني المؤسسات فضاءات المشكلات التي تشكل الإدراك والقرار والتنفيذ
د. محمد عيدروس باروم
Baroom Institutional Systems (BIS)
وصف البحث:

ورقة نظرية تقدم IPFT وIPS لتفسير كيف تبني المؤسسات فضاءات المشكلات التي تشكل الإدراك والقرار والتنفيذ.

الملخص

تركز الأدبيات المؤسسية السائدة على تفسير الأداء والإخفاق المؤسسي من خلال متغيرات مثل الإدراك المؤسسي، وصنع القرار، وجودة المعلومات، والقدرات التنفيذية. غير أن هذه الأدبيات تنطلق غالبًا من افتراض ضمني يتمثل في أن المشكلة المؤسسية قد تشكلت مسبقًا وأصبحت موضوعًا جاهزًا للإدراك والتحليل والقرار والتنفيذ. وتجادل هذه الورقة بأن هذا الافتراض يتجاوز مرحلة تفسيرية أكثر جوهرية تتمثل في الكيفية التي تبني بها المؤسسات المشكلات التي تعمل عليها أصلًا.

استجابةً لهذه الفجوة النظرية، تقترح الورقة نظرية صياغة المشكلة المؤسسية (Institutional Problem Formulation Theory: IPFT)، التي تفترض أن المؤسسات لا تتعامل مع الواقع بصورة مباشرة، بل تبني أولًا فضاءً للمشكلة المؤسسية (Institutional Problem Space: IPS) يحدد الحدود المعرفية والتنظيمية التي يصبح داخلها الواقع مرئيًا وذا صلة وقابلًا للتمثيل والتفسير والفعل. وتقدم الورقة IPS بوصفه بناءً نظريًا جديدًا يسبق عمليات الإدراك المؤسسي والقرار والتنفيذ ويشكل حدودها.

وتخلص الدراسة إلى أن النتائج المؤسسية لا تتحدد فقط بجودة المعلومات أو جودة القرارات أو القدرات التنفيذية، بل تتحدد أيضًا بخصائص فضاء المشكلة الذي تبنيه المؤسسة قبل أن تبدأ عمليات الإدراك والقرار والتنفيذ. وبذلك تقدم الورقة طبقة تفسيرية جديدة لفهم الأداء والإخفاق المؤسسي وتفتح برنامجًا بحثيًا جديدًا يتمحور حول كيفية بناء المؤسسات لفضاءات مشكلاتها.

الكلمات المفتاحية: صياغة المشكلة المؤسسية، فضاء المشكلة المؤسسية، الإدراك المؤسسي، حوكمة القرار، الجاهزية التنفيذية، الإخفاق المؤسسي، BIS.

1. المقدمة

تعمل المؤسسات المعاصرة في بيئات تتسم بارتفاع مستويات التعقيد، وتسارع التغيرات، وتزايد الاعتماد على البيانات، وتعدد مصادر المعلومات، وتنامي الضغوط المرتبطة بالاستجابة السريعة واتخاذ القرارات في ظل ظروف تتسم بدرجات متفاوتة من عدم اليقين. وفي مثل هذه البيئات، أصبحت قدرة المؤسسات على فهم المشكلات وتفسيرها واتخاذ قرارات فعالة بشأنها تمثل أحد المحددات الرئيسة للأداء المؤسسي والاستدامة والقدرة على التكيف.

وقد أولت الأدبيات المؤسسية اهتمامًا واسعًا بعمليات الإدراك المؤسسي، وصنع القرار، والتنفيذ، والتعلم التنظيمي، وقدمت تفسيرات متعددة لأسباب النجاح والإخفاق المؤسسي. فركزت بعض الأدبيات على حدود العقلانية البشرية والانحيازات المعرفية، بينما ركزت أخرى على عمليات صناعة المعنى المؤسسي، أو على دور المؤسسات والقواعد التنظيمية في تشكيل السلوك والقرار. كما تناولت أدبيات أخرى جودة المعلومات، والتنسيق التنظيمي، والقدرات التنفيذية بوصفها عوامل مفسرة للأداء المؤسسي.

وعلى الرغم من القيمة التفسيرية الكبيرة لهذه الأدبيات، فإنها تشترك ضمنيًا في افتراض أساسي يتمثل في أن المشكلة المؤسسية قد أصبحت محددة بصورة كافية لكي تكون موضوعًا للإدراك والتحليل والقرار والتنفيذ.

وبعبارة أخرى، فإن معظم التفسيرات المؤسسية تبدأ بعد أن تتشكل المشكلة، وليس عند المرحلة الأسبق التي تُبنى فيها المشكلة ذاتها بوصفها بناءً معرفيًا ومؤسسيًا.

غير أن المؤسسات لا تتعامل مع الواقع المؤسسي في صورته الخام أو المباشرة. فالواقع المؤسسي شديد التعقيد، ومتعدد الإشارات، وغالبًا ما يكون غامضًا ومتداخلًا. ولذلك لا بد للمؤسسات من بناء تصورات معينة لماهية المشكلة، وتحديد حدودها، وتعيين ما تعتبره ذا صلة، واختيار المعلومات التي ينبغي إدخالها في عملية الفهم، وتحديد ما يمكن تمثيله وتفسيره واتخاذ إجراء حياله.

ومن خلال هذه العمليات، لا تكتشف المؤسسة المشكلة فحسب، بل تبني فضاءً معرفيًا وتنظيميًا تصبح داخله بعض التفسيرات والقرارات والإجراءات ممكنة، في حين تصبح تفسيرات وبدائل أخرى غير مرئية أو غير ذات صلة أو غير قابلة للتصور المؤسسي.

ومن هذا المنظور، فإن كثيرًا من الإخفاقات المؤسسية قد لا تنشأ في مراحل اتخاذ القرار أو أثناء التنفيذ، بل تتشكل في مرحلة أسبق تتمثل في بناء فضاء المشكلة الذي تعمل المؤسسة داخله. فحين تُبنى المشكلة بصورة ناقصة أو متحيزة أو غير متسقة مع الواقع، فإن الإدراك المؤسسي اللاحق، والقرارات الناتجة عنه، والقدرات التنفيذية المرتبطة به، تتأثر جميعها بالحدود التي أنشأها فضاء المشكلة ذاته.

وتكشف هذه الملاحظة عن فجوة نظرية مهمة في الأدبيات المؤسسية. فعلى الرغم من كثرة الدراسات التي تناولت الإدراك المؤسسي وصناعة المعنى واتخاذ القرار والإخفاق التنفيذي، فإن الكيفية التي تُبنى بها المشكلات المؤسسية قبل أن تصبح موضوعًا للإدراك والقرار والتنفيذ ما تزال محدودة التطوير النظري.

استجابةً لهذه الفجوة، تقترح هذه الورقة «نظرية صياغة المشكلة المؤسسية» (Institutional Problem Formulation Theory: IPFT). وتنطلق النظرية من افتراض أن المؤسسات لا تدرك الواقع وتتصرف حياله بصورة مباشرة، بل تبني أولًا فضاءً للمشكلة المؤسسية (Institutional Problem Space: IPS) يحدد ما يصبح مرئيًا وذا صلة وقابلًا للتمثيل والتفسير والفعل.

المساهمة المركزية للورقة:
تقدم الورقة طبقة تفسيرية سابقة للإدراك المؤسسي والقرار والتنفيذ، وتجادل بأن النتائج المؤسسية تتحدد بحدود فضاء المشكلة الذي تبنيه المؤسسة قبل أن تبدأ عمليات التفكير والقرار والفعل.

وتنظم بقية الورقة على النحو الآتي: يستعرض القسم التالي الأدبيات ذات الصلة ويحدد الفجوة النظرية، ثم يقدم القسم اللاحق منهجية بناء النظرية المفاهيمية، ثم تعرض الورقة نظرية صياغة المشكلة المؤسسية ومفهوم فضاء المشكلة المؤسسية، ثم تناقش الخصائص الدستورية الخمس لفضاء المشكلة، وتعرض حالة Kodak التفسيرية، قبل أن تناقش التموضع داخل منظومة BIS، والمساهمات النظرية، وحدود الدراسة، والمقترحات البحثية المستقبلية.

2. مراجعة الأدبيات والفجوة النظرية

تهدف هذه المراجعة إلى تحديد موقع نظرية صياغة المشكلة المؤسسية (IPFT) ومفهوم فضاء المشكلة المؤسسية (IPS) داخل الأدبيات ذات الصلة، وإبراز الفجوة النظرية التي تسعى هذه الدراسة إلى معالجتها.

الفجوة المركزية:
تركز الأدبيات القائمة على الإدراك، وصناعة المعنى، وصنع القرار، والاستجابة المؤسسية، لكنها تقدم اهتمامًا محدودًا بالكيفية التي تبني بها المؤسسات المشكلات التي تصبح لاحقًا موضوعًا للإدراك والقرار والتنفيذ.

2.1 صياغة المشكلة وتكوينها

يُعد التمييز بين حل المشكلات وصياغتها من أبرز الإسهامات المبكرة في دراسة الإدراك والتصميم. فقد لاحظ Simon (1973) أن تحديد المشكلة يمثل تحديًا معرفيًا مستقلًا عن حلها، إذ إن الطريقة التي تُصاغ بها المشكلة تحدد الفضاء الذي يبحث فيه الفاعلون عن الحلول الممكنة.

كما قدم Rittel وWebber (1973) مفهوم المشكلات المستعصية (Wicked Problems)، موضحين أن المشكلات الاجتماعية والمؤسسية المعقدة لا تمتلك صياغة محايدة أو موضوعية، وأن الكيفية التي تُعرَّف بها المشكلة تحدد فعليًا ما يُعدّ حلًا لها.

وفي سياق التصميم المهني، ميّز Schön (1983) بين «وضع المشكلة» (Problem Setting) و«حل المشكلة» (Problem Solving)، مؤكدًا أن الممارسين يقضون جهدًا جوهريًا في بناء المشكلة قبل السعي إلى حلها.

كما أظهرت دراسة Lyles وMitroff (1980) أن المديرين يختلفون اختلافًا جوهريًا في كيفية صياغتهم للمشكلات، وأن هذا الاختلاف يؤدي إلى اختلافات ملموسة في القرارات والنتائج.

الملاحظة النظرية:
رغم أهمية هذه الأدبيات، فإنها تركز بصورة رئيسة على الفرد أو الفريق بوصفهما وحدة للتحليل، ولا تفسر بصورة كافية كيف تبني المؤسسات بوصفها أنظمة معقدة فضاءات المشكلات التي تعمل داخلها.

2.2 صناعة المعنى المؤسسي (Organizational Sensemaking)

قدم Weick (1995) إطارًا تأسيسيًا لفهم الكيفية التي تبني بها المنظمات معنىً للأحداث الغامضة والمتشابكة. وينطلق هذا المنظور من أن بناء المعنى عملية نشطة وانتقائية تحدد ما يستحق الانتباه وما يُهمل وكيف تُفسَّر الإشارات البيئية.

كما أكد Weick وزملاؤه (2005) أن المنظمات لا تتلقى الواقع بصورة سلبية، بل تُسقط عليه أطرًا تفسيرية تساعدها على فهمه والتعامل معه.

تتقاطع هذه الدراسة مع أدبيات صناعة المعنى في الاعتراف بأن الإدراك المؤسسي عملية بنائية، لكنها تختلف عنها في نقطة البداية؛ إذ تهتم IPFT بالمرحلة السابقة لبناء المعنى، أي ببناء فضاء المشكلة الذي تعمل داخله عمليات صناعة المعنى ذاتها.

2.3 العقلانية المحدودة وصنع القرار

أسس Simon (1947, 1955) مفهوم العقلانية المحدودة (Bounded Rationality)، موضحًا أن الأفراد والمؤسسات لا يسعون إلى القرار الأمثل بقدر ما يبحثون عن قرارات مُرضية ضمن حدود معرفية ومعلوماتية وزمنية محددة.

كما وسع Cyert وMarch (1963) هذا المنظور لتفسير المنظمات بوصفها تحالفات من المصالح والروتينات التنظيمية التي تنتج قراراتها من خلال إجراءات ومسارات مؤسسية مستقرة.

ولاحقًا، أظهر Kahneman (2011) أن الكيفية التي تُؤطَّر بها المشكلة تؤثر بصورة جوهرية في طبيعة القرار والاختيارات الممكنة.

الملاحظة النظرية:
تفسر هذه الأدبيات القيود التي تعمل داخل إطار مشكلة قائم، لكنها لا تفسر الكيفية التي يُبنى بها هذا الإطار أصلًا.

2.4 النظرية المؤسسية

تقدم النظرية المؤسسية تفسيرًا لكيفية تشكل القواعد والأعراف والضغوط التي تؤثر في السلوك المؤسسي. وقد أظهرت أعمال DiMaggio وPowell (1983) وScott (2014) أن المؤسسات لا تتصرف فقط وفق اعتبارات الكفاءة الاقتصادية، بل أيضًا استجابةً لمتطلبات الشرعية والضغوط التنظيمية والبيئية.

غير أن هذه الأدبيات تركز بصورة رئيسة على تأثير البيئة المؤسسية الخارجية، ولا تمنح اهتمامًا مماثلًا للكيفية التي تبني بها المؤسسة تصورها الداخلي للمشكلات التي تواجهها.

2.5 الطبقة السابقة المفقودة: الفجوة النظرية

تكشف مراجعة الأدبيات السابقة عن نمط مشترك يتمثل في افتراض أن المشكلة المؤسسية قد تشكلت بما يكفي لكي تصبح موضوعًا للإدراك والتحليل والقرار والتنفيذ.

غير أن سؤالًا جوهريًا يظل دون معالجة نظرية كافية:

كيف تُبنى المشكلة المؤسسية ذاتها؟ وكيف يتحدد ما يصبح مرئيًا ومهمًا وقابلًا للتمثيل والتفسير والفعل داخل المؤسسة قبل أن تبدأ عمليات الإدراك والقرار والتنفيذ؟

تمثل هذه الطبقة السابقة (Upstream Layer) الفجوة النظرية التي تسعى هذه الدراسة إلى معالجتها من خلال تطوير نظرية صياغة المشكلة المؤسسية (IPFT) ومفهوم فضاء المشكلة المؤسسية (IPS).

3. المنهجية: مقاربة بناء النظرية المفاهيمية

تنتمي هذه الدراسة إلى فئة الأوراق المفاهيمية الهادفة إلى بناء النظرية (Conceptual Theory-Building Papers)، ولا تسعى إلى اختبار فرضيات تجريبية أو تطوير نظرية مجذرة مستندة إلى بيانات ميدانية. وبدلًا من ذلك، تتبنى الدراسة مقاربة استدلالية وتكاملية تهدف إلى تطوير بناء نظري جديد لمعالجة فجوة تفسيرية في الأدبيات المؤسسية.

وتنطلق الدراسة من ملاحظة أن معظم الأدبيات المتعلقة بالإدراك المؤسسي، وصناعة المعنى، وصنع القرار، والإخفاق التنفيذي، تبدأ تحليلها بعد أن تكون المشكلة المؤسسية قد تشكلت بالفعل بوصفها موضوعًا للإدراك والتحليل والقرار. أما الكيفية التي تتشكل بها المشكلة المؤسسية ذاتها، وكيف تُبنى الحدود التي تجعل بعض التفسيرات والقرارات والإجراءات ممكنة في حين تجعل غيرها غير مرئي أو غير ذي صلة، فما تزال محدودة التطوير النظري.

التموضع المنهجي للورقة:
هذه الورقة ليست دراسة حالة تجريبية، وليست نظرية مجذرة، وليست اختبارًا إحصائيًا لنموذج قائم؛ بل هي ورقة بناء نظري مفاهيمي تهدف إلى تطوير مفاهيم وعلاقات سببية جديدة لتفسير مرحلة سابقة للإدراك المؤسسي والقرار والتنفيذ.

واستجابةً لهذه الفجوة، تتبع الدراسة منهجية بناء نظري تتكون من أربع مراحل مترابطة: تحديد الفجوة النظرية، وإعادة توصيف الظاهرة، وتطوير بناءات مفاهيمية جديدة، وبناء منطق سببي يربط هذه البناءات بنتائج الأداء والإخفاق المؤسسي.

3.1 تحديد الفجوة النظرية

جرى تحليل الأدبيات المرتبطة بصياغة المشكلات، وصناعة المعنى التنظيمي، والعقلانية المحدودة، والنظرية المؤسسية، للكشف عن الافتراض المشترك الذي تنطلق منه هذه الأدبيات، والمتمثل في افتراض وجود مشكلة مؤسسية محددة مسبقًا وقابلة للإدراك والتحليل.

وقد أظهر هذا التحليل أن الأدبيات القائمة تقدم تفسيرات مهمة لما يحدث بعد أن تصبح المشكلة موضوعًا للإدراك أو القرار، لكنها تقدم اهتمامًا محدودًا بالمرحلة التي تتشكل فيها المشكلة ذاتها بوصفها بناءً معرفيًا وتنظيميًا.

3.2 إعادة توصيف الظاهرة

تفترض الدراسة أن المشكلة المؤسسية ليست معطىً سابقًا ومستقلًا عن المؤسسة، بل هي بناء معرفي وتنظيمي يتشكل من خلال عمليات تحديد المجال، وتحديد الغاية، واختيار المعلومات، وتفكيك المشكلة، وتطوير الفرضيات والبدائل التفسيرية.

ونتيجة لذلك، فإن المؤسسة لا تكتشف المشكلة فحسب، بل تبني فضاءً للمشكلة تعمل داخله لاحقًا عمليات الإدراك والتفسير والقرار والتنفيذ. ومن هنا يعاد توصيف الظاهرة موضع البحث من كونها «مشكلة جاهزة للتحليل» إلى كونها «فضاءً مؤسسيًا للمشكلة يتم بناؤه قبل التحليل».

3.3 تطوير بناءات مفاهيمية جديدة

تطور الدراسة بناءين نظريين مترابطين: نظرية صياغة المشكلة المؤسسية (Institutional Problem Formulation Theory: IPFT)، وفضاء المشكلة المؤسسية (Institutional Problem Space: IPS).

تفسر IPFT الكيفية التي تبني بها المؤسسات فضاءات مشكلاتها، بينما يفسر IPS الحدود المعرفية والتنظيمية التي تصبح داخلها عمليات التمثيل والتفسير والقرار والفعل ممكنة.

تمييز مفاهيمي أساسي:
IPFT هي نظرية للبناء؛ لأنها تفسر كيف تُنتج المؤسسات فضاءات المشكلات. أما IPS فهو نظرية للحدود؛ لأنه يفسر ما الذي يصبح ممكنًا أو غير ممكن داخل هذا الفضاء.

3.4 بناء المنطق السببي

تقترح الدراسة أن عملية بناء فضاء المشكلة المؤسسية تسبق عمليات الإدراك المؤسسي والقرار والتنفيذ، وتشكل الحدود التي تعمل داخلها هذه العمليات. ومن ثم، فإن النتائج المؤسسية لا تتحدد فقط بجودة المعلومات أو جودة القرارات أو القدرات التنفيذية، بل تتحدد أيضًا بخصائص فضاء المشكلة الذي تبنيه المؤسسة.

وانطلاقًا من ذلك، تقدم الدراسة معمارية نظرية جديدة تتكون من طبقتين مترابطتين: نظرية صياغة المشكلة المؤسسية بوصفها نظرية للبناء (Theory of Construction)، وفضاء المشكلة المؤسسية بوصفه نظرية للحدود (Theory of Boundaries).

وتشكل هاتان الطبقتان معًا المستوى السابق للإدراك المؤسسي والقرار والتنفيذ، وتقدمان تفسيرًا جديدًا للإخفاقات المؤسسية بوصفها ظواهر قد تتكون في مرحلة بناء فضاء المشكلة قبل أن تصبح ظاهرة في القرارات أو المخرجات التنفيذية.

وعليه، فإن هذه الدراسة تُقدَّم بوصفها محاولة لبناء نظرية مفاهيمية جديدة تهدف إلى توسيع حدود التفسير المؤسسي من خلال إدخال طبقة تفسيرية سابقة للإدراك المؤسسي والقرار والتنفيذ.

4. نظرية صياغة المشكلة المؤسسية (IPFT): نظرية البناء

تُعرَّف نظرية صياغة المشكلة المؤسسية (Institutional Problem Formulation Theory: IPFT) بأنها إطار نظري يفسر الكيفية التي تبني بها المؤسسات فضاءات للمشكلة تحدد الحدود المعرفية والتنظيمية التي تعمل داخلها عمليات الإدراك والتفسير واتخاذ القرار والتنفيذ.

الافتراض التأسيسي لـ IPFT:
إن المشكلة المؤسسية ليست معطىً موضوعيًا يسبق المؤسسة ويستقل عنها، بل هي بناء معرفي وتنظيمي تنتجه المؤسسة من خلال عمليات تحديد المجال، وتحديد الاتجاه، واختيار المعلومات، وتفكيك المشكلة، وبناء الفرضيات والبدائل التفسيرية. ومن ثم، فإن ما تدركه المؤسسة وتفسره وتقرره وتفعله يتحدد في نهاية المطاف بفضاء المشكلة الذي بنته، لا بالواقع في صورته المطلقة.

وتنطلق النظرية من ثلاثة افتراضات دستورية تشكل أساسها المنطقي.

الافتراض الأول:
لا تدرك المؤسسات الواقع وتتصرف حياله بصورة مباشرة.
الافتراض الثاني:
تبني المؤسسات أولًا فضاءً للمشكلة المؤسسية يحدد الحدود المعرفية والتنظيمية للإدراك والتفسير والقرار والفعل.
الافتراض الثالث:
تتحدد النتائج المؤسسية في نهاية المطاف بفضاءات المشكلات التي تبنيها المؤسسات قبل أن تبدأ عمليات الإدراك واتخاذ القرار والتنفيذ.

4.1 عمليات بناء فضاء المشكلة: الآليات الخمس

تقترح IPFT أن بناء فضاء المشكلة المؤسسية يتم عبر خمس عمليات تأسيسية مترابطة، لا تسير بالضرورة في تسلسل خطي، بل تتشابك وتتفاعل ضمن ديناميكية معرفية وتنظيمية مركبة.

العملية الأولى: تحديد المجال (Domain Definition)

تجيب هذه العملية عن السؤال: ما طبيعة المشكلة وما حدودها؟

وتتضمن تحديد ما تعتبره المؤسسة مشكلة تستحق الاهتمام من حيث النوع، والنطاق، والأفق الزمني. وتحديد المجال ليس نشاطًا محايدًا، بل هو فعل معرفي وتنظيمي يعكس الأولويات الاستراتيجية والافتراضات الضمنية والهياكل المؤسسية السائدة.

العملية الثانية: تحديد الاتجاه (Direction Definition)

تجيب هذه العملية عن السؤال: لماذا تمثل المشكلة أهمية، وما الغاية من معالجتها؟

فالغاية المعلنة أو الضمنية توجه الانتباه المؤسسي وتحدد معايير الأولوية التي تقرر ما يصبح ذا صلة وما يتم تجاهله.

العملية الثالثة: اختيار المعلومات وتحديد الحدود (Information Selection and Boundary Definition)

تجيب هذه العملية عن السؤال: ما المعلومات التي ستدخل عملية الفهم، وما الذي سيُستبعد؟

وتمثل هذه العملية المصدر الفعلي للحدود الإدراكية لفضاء المشكلة، لأنها تحدد ما يصبح مرئيًا وما يبقى خارج نطاق الرؤية المؤسسية.

العملية الرابعة: تفكيك المشكلة (Problem Decomposition)

تجيب هذه العملية عن السؤال: كيف تُقسَّم المشكلة إلى مكوناتها؟

إن طريقة تفكيك المشكلة تحدد ما يعالج بصورة منفصلة وما يعالج بصورة مترابطة، وهو ما ينعكس مباشرة على بنية الحلول المتصورة وأنماط التنسيق المؤسسي.

العملية الخامسة: بناء الفرضيات والبدائل التفسيرية (Hypothesis and Alternative Development)

تجيب هذه العملية عن السؤال: ما التفسيرات الممكنة، وما الفرضيات التي ستوجه الفهم المؤسسي؟

وهي العملية التي تحدد مسبقًا الفضاء التأويلي الذي ستعمل داخله عمليات الإدراك المؤسسي اللاحقة.

4.2 طبيعة العمليات الخمس

تتميز هذه العمليات بأربع خصائص جوهرية.

  • السابقية (Upstream Priority): تسبق الإدراك المؤسسي والقرار والتنفيذ.
  • التجذر التنظيمي (Organizational Embeddedness): تتشكل عبر الهياكل والثقافة وأنظمة المعرفة.
  • الكمون (Latency): تعمل غالبًا بصورة ضمنية وغير معلنة.
  • التراكم والاعتماد على المسار (Path Dependency): تتراكم حدودها مع الزمن وتصبح أكثر رسوخًا.

4.3 IPFT بوصفها نظرية للبناء

تُقدَّم IPFT هنا بوصفها نظرية للبناء (Theory of Construction)، بمعنى أنها لا تصف ماذا تدرك المؤسسات، بل تفسر كيف تُنتج المؤسسات الحدود التي يصبح داخلها الإدراك والقرار والفعل ممكنًا.

وبهذا المعنى، فإنها لا تنافس نظريات الإدراك المؤسسي أو صناعة المعنى أو القرار، بل تقدم الطبقة السببية السابقة التي تشكل مدخلات هذه النظريات.

الشكل 1. البنية النظرية عالية المستوى لنظرية صياغة المشكلات المؤسسية (IPFT): نموذج توليدي قائم على الحدود يوضح كيف تبني المؤسسات فضاء المشكلة المؤسسية (IPS) الذي يشكل التمثيل والإدراك وحوكمة القرار والجاهزية التنفيذية، وفي نهاية المطاف النتائج المؤسسية.

5. فضاء المشكلة المؤسسية (IPS): نظرية الحدود

إذا كانت نظرية صياغة المشكلة المؤسسية (Institutional Problem Formulation Theory: IPFT) تفسر الكيفية التي تبني بها المؤسسات مشكلاتها، فإن فضاء المشكلة المؤسسية (Institutional Problem Space: IPS) يمثل الناتج المعرفي والتنظيمي لتلك العملية.

ويُعرَّف فضاء المشكلة المؤسسية بأنه الفضاء المعرفي والتنظيمي الذي يتشكل من خلال عمليات صياغة المشكلة، ويحدد الحدود التي يصبح داخلها الواقع مرئيًا وذا صلة وقابلًا للتمثيل والتفسير والفعل المؤسسي.

لا تتعامل المؤسسات مع الواقع في صورته المباشرة أو المطلقة، بل تتعامل مع الواقع كما يصبح متاحًا داخل فضاء المشكلة الذي بنته.

ومن هذا المنظور، لا يمثل فضاء المشكلة مجرد إطار تحليلي أو أداة تنظيمية، بل يمثل البنية الدستورية التي تحدد حدود الإدراك المؤسسي والقرار والتنفيذ. فما يمكن رؤيته، وما يُعتبر مهمًا، وما يمكن تفسيره أو اتخاذ إجراء حياله، لا يتحدد بالواقع وحده، بل بخصائص فضاء المشكلة الذي تعمل المؤسسة داخله.

5.1 IPS بوصفه نظرية للحدود

يُقدَّم IPS في هذه الدراسة بوصفه نظرية للحدود (Theory of Boundaries)، لأنه يفسر الحدود المعرفية والتنظيمية التي تعمل داخلها العمليات المؤسسية.

فالحدود التي ينشئها فضاء المشكلة لا تتمثل فقط في المعلومات التي تدخل عملية الفهم، بل تشمل كذلك ما يصبح مرئيًا أو غير مرئي، وما يُعد مهمًا أو غير مهم، وما يمكن تمثيله أو تفسيره أو اتخاذ قرار بشأنه.

وبهذا المعنى، فإن فضاء المشكلة لا يحدد محتوى القرار المؤسسي بصورة مباشرة، لكنه يحدد حدود ما يمكن أن يصبح موضوعًا للقرار أصلًا.

المبدأ الدستوري لـ IPS:
لا تحدد المؤسسات قراراتها انطلاقًا من الواقع في ذاته، بل انطلاقًا من الواقع كما يظهر داخل فضاء المشكلة المؤسسية الذي قامت ببنائه.

5.2 الخصائص العامة لفضاء المشكلة المؤسسية

يتميز فضاء المشكلة المؤسسية بعدد من الخصائص العامة التي تمنحه قوته التفسيرية بوصفه بناءً مؤسسيًا مستقلًا.

أولًا، أن فضاء المشكلة بناء مؤسسي ناشئ (Emergent Institutional Construct)، إذ لا يوجد بصورة مستقلة عن المؤسسة، بل يتشكل من خلال عملياتها المعرفية والتنظيمية.

ثانيًا، أن فضاء المشكلة انتقائي بطبيعته (Selective)، إذ يستوعب بعض عناصر الواقع ويستبعد عناصر أخرى.

ثالثًا، أن فضاء المشكلة مقيد بالحدود (Boundary-Constrained)، لأنه يضع حدودًا لما يمكن إدراكه وتفسيره والتصرف حياله.

رابعًا، أن فضاء المشكلة قابل للتراكم والرسوخ المؤسسي (Path-Dependent)، إذ تميل المؤسسات إلى إعادة إنتاج فضاءات مشكلاتها عبر الزمن من خلال الإجراءات والنماذج والروتينات والثقافات التنظيمية.

وخامسًا، أن فضاء المشكلة قابل لإعادة البناء (Reconstructable)، لأن المؤسسات تستطيع مراجعة حدود مشكلاتها وإعادة صياغتها عندما تصبح غير متسقة مع الواقع أو غير قادرة على تفسيره.

5.3 النتائج المترتبة على IPS

تترتب على مفهوم فضاء المشكلة المؤسسية مجموعة من النتائج النظرية المهمة.

أولًا، أن الإدراك المؤسسي لا يحدث في فراغ، بل يتشكل داخل حدود يحددها فضاء المشكلة.

ثانيًا، أن جودة القرار لا تعتمد فقط على جودة التحليل، بل تعتمد كذلك على جودة فضاء المشكلة الذي يحدد ما يمكن تحليله أصلًا.

ثالثًا، أن الإخفاق المؤسسي قد يتشكل في مرحلة أسبق من مراحل القرار والتنفيذ، عندما يكون فضاء المشكلة نفسه ناقصًا أو متحيزًا أو غير متسق مع الواقع.

ومن ثم، فإن كثيرًا من الإخفاقات المؤسسية لا تبدأ عند لحظة اتخاذ القرار، بل تبدأ عندما تبني المؤسسة فضاءً للمشكلة يجعل بعض الإشارات غير مرئية، وبعض المعطيات غير ذات صلة، وبعض البدائل خارج نطاق ما يمكن تصوره.

6. الخصائص الدستورية الخمس لفضاء المشكلة المؤسسية (IPS)

يقدم هذا القسم الخصائص الدستورية الخمس لفضاء المشكلة المؤسسية بوصفها الآليات التشغيلية التي تحدد كيف يعمل IPS داخل المؤسسة.

وتُسمى هذه الخصائص «دستورية» لأنها لا تصف سمات وصفية عارضة، بل تمثل البنية الجوهرية التي يتشكل من خلالها فضاء المشكلة ويمارس تأثيره على الإدراك والقرار والتنفيذ.

وهي خصائص مترابطة ومتتالية؛ إذ إن كل خاصية تبني على سابقتها، وتشكل في الوقت نفسه شرطًا لما يليها.

فالرؤية تسبق الصلة، والصلة تسبق التمثيل، والتمثيل يسبق التفسير، والتفسير يسبق الفعل. ومن ثم، فإن الإخفاق في أي خاصية ينتقل بصورة تراكمية إلى الخصائص اللاحقة حتى يظهر في نهاية المطاف بوصفه إخفاقًا في القرار أو التنفيذ.
الشكل 2. الخصائص الدستورية الخمس لفضاء المشكلة المؤسسية (IPS): من الرؤية إلى قابلية الفعل، موضحةً كيف تشكل الحدود المعرفية والتنظيمية ما يصبح مرئيًا وذا صلة وقابلًا للتمثيل والتفسير والفعل، وكيف تتشكل الإخفاقات المؤسسية داخل فضاء المشكلة قبل ظهورها في القرار والتنفيذ.

6.1 الرؤية (Visibility): ما الذي يصبح مرئيًا؟

تمثل الرؤية الخاصية الأولى والتأسيسية لفضاء المشكلة المؤسسية، إذ تحدد ما تراه المؤسسة من الواقع المحيط بها.

والرؤية هنا ليست مجرد إمكانية الوصول إلى المعلومات، بل هي نتيجة فضاء المشكلة الذي بنته المؤسسة وأطر انتباهها المؤسسي. فالمؤسسة ترى ما يسمح لها فضاء المشكلة برؤيته، ولا ترى ما يقع خارج حدوده.

وتتجلى إخفاقات الرؤية في ثلاثة أنماط رئيسة: الإشارات المبكرة التي لا تُرى، وإخفاء الواقع، وانحيازات الانتباه التي تجعل المؤسسة تركز على ما يتوافق مع أنماطها الراسخة على حساب المتغيرات الجديدة.

السؤال التشخيصي:
ما الذي أصبح مرئيًا داخل المؤسسة، وما الذي بقي خارج نطاق الرؤية؟

6.2 الصلة (Relevance): ما الذي يصبح مهمًا؟

لا يكفي أن تكون المعلومات مرئية؛ فالخاصية الثانية لفضاء المشكلة تتعلق بما تعتبره المؤسسة مهمًا وذا أولوية مما تراه. إن آليات الصلة هي المرشحات المؤسسية التي تحدد ما سيحظى بالاهتمام التحليلي والموارد والاستجابة المؤسسية.

وتتشكل معايير الصلة من الأولويات الاستراتيجية المعلنة، والضغوط المؤسسية السائدة، وأنماط الأداء التاريخية، والتوقعات الداخلية للأطراف الفاعلة. وهذه المعايير ليست محايدة؛ فهي تحدد ضمنيًا أي المؤشرات تستحق المتابعة، وأي المخاطر تستحق التحليل، وأي التحولات البيئية تستحق الاستجابة.

وتتجلى إخفاقات الصلة في ثلاثة أنماط رئيسة: التركيز على مؤشرات غير حاسمة في ضوء التحديات الفعلية، وتجاهل عوامل كامنة تؤثر بصورة جوهرية في الأداء، وأخطاء تحديد الأولويات التي تصرف الموارد المؤسسية نحو ما هو أقل أهمية.

السؤال التشخيصي:
ما الذي تعتبره المؤسسة مهمًا، وما الذي تراه لكنه لا يحظى بالأولوية أو الاهتمام المؤسسي؟

6.3 قابلية التمثيل (Representability): كيف يُترجم الواقع؟

حين يصبح شيء ما مرئيًا وذا صلة، تواجه المؤسسة تحديًا آخر، يتمثل في كيفية تمثيل هذا الواقع في صورة مؤشرات وتقارير ونماذج وبيانات قابلة للتداول المؤسسي.

وقابلية التمثيل ليست عملية تقنية محايدة، بل هي فعل تأويلي تحدد المؤسسة من خلاله أي أبعاد الواقع تستحق القياس، وأي المؤشرات تعكسه بصدق، وأي النماذج تستطيع التقاط تعقيده.

وفي هذه العملية يتحول الواقع من ظاهرة متعددة الأبعاد إلى تمثيل مؤسسي انتقائي، وهذا الانتقاء يعكس المنطق الذي بُني وفقه فضاء المشكلة.

وتتجلى إخفاقات التمثيل في تشويه الواقع من خلال نماذج قاصرة، واختزال التعقيد بصورة تفقده أبعادًا جوهرية، وفقدان السياق والاعتبارات النوعية التي لا تقبل القياس الكمي المباشر.

السؤال التشخيصي:
كيف تُحوِّل المؤسسة الواقع إلى مؤشرات وتقارير ونماذج، وما الجوانب التي تفقدها هذه التمثيلات؟

6.4 قابلية التفسير (Interpretability): كيف يُفهم الواقع الممثَّل؟

تتصل الخاصية الرابعة بالكيفية التي تفسر بها المؤسسة ما رأته واعتبرته مهمًا ومثّلته. إن قابلية التفسير تحدد الأطر التأويلية التي تعبئها المؤسسة لفهم الواقع الممثل، وهذه الأطر ليست مستقلة عن فضاء المشكلة، بل هي إحدى مخرجاته الجوهرية.

وتتجلى قابلية التفسير في الفرضيات التفسيرية، والنماذج السببية، والاستنتاجات التي تصل إليها المؤسسة من البيانات والمؤشرات المتاحة لها.

وتختلف المؤسسات اختلافًا جذريًا في تفسيراتها لبيانات متطابقة، وهذا الاختلاف يعكس اختلافًا في فضاءات المشكلات التي بنتها.

وتتجلى إخفاقات التفسير في التفسيرات المنحازة، والاستنتاجات الخاطئة الناتجة عن نماذج سببية قاصرة، والاستحواذ المعرفي الذي يقصي التفسيرات البديلة.

السؤال التشخيصي:
كيف تفسر المؤسسة ما تراه؟ وما الافتراضات الضمنية التي تحدد هذا التفسير؟

6.5 قابلية الفعل (Actionability): ما الذي يصبح ممكنًا؟

تمثل قابلية الفعل الخاصية الخامسة والأخيرة لفضاء المشكلة المؤسسية، وهي المحصلة التراكمية للخصائص الأربع السابقة.

فما تراه المؤسسة، وما تعتبره مهمًا، وكيف تمثله، وكيف تفسره، يحدد مجتمعةً ما يصبح قابلًا للفعل: أي القرارات تُعتبر ممكنة، وأي الحلول تُتصور، وأي الإجراءات تُعد مشروعة داخل المؤسسة.

وقابلية الفعل ليست مجرد توافر الإرادة أو القدرة التنفيذية، بل هي في جوهرها نتاج فضاء المشكلة نفسه.

فالمؤسسة لا تستطيع اتخاذ قرارات خارج حدود ما يجعله فضاء مشكلتها قابلًا للتصور والتنفيذ، حتى عندما تتوافر لديها الموارد التقنية والبشرية اللازمة.

وتتجلى إخفاقات قابلية الفعل في اعتماد حلول غير ملائمة، واستبعاد خيارات استراتيجية لم يتسع لها فضاء المشكلة، وضعف الجاهزية التنفيذية الناتج عن قصور في الخصائص الأربع السابقة.

السؤال التشخيصي:
ما القرارات والحلول التي أصبحت ممكنة داخل المؤسسة، وما البدائل التي بقيت خارج حدود ما يمكن تصوره أو تنفيذه؟

6.6 ترابط الخصائص الخمس: المنطق التراكمي لفضاء المشكلة

تعمل الخصائص الخمس وفق منطق تراكمي ومتسلسل. فالرؤية شرط الصلة، والصلة شرط التمثيل، والتمثيل شرط التفسير، والتفسير شرط الفعل.

وهذا يعني أن الإخفاق في أي خاصية ينتقل بضرورة منطقية إلى الخصائص اللاحقة، حتى يتجلى في نهاية المطاف في صورة إخفاق في القرار أو التنفيذ.

حين تواجه المؤسسة إخفاقًا في القرار أو التنفيذ، فإن السؤال التشخيصي الصحيح ليس: «أين أخطأنا في القرار؟» بل: «في أي خاصية من خصائص فضاء المشكلة بدأ الإخفاق يتشكل؟»

7. حالة تطبيقية توضيحية: Kodak وبناء فضاء مشكلة غير ملائم

7.1 الغرض من الحالة التطبيقية

لا تهدف هذه الحالة إلى تقديم تحليل تاريخي شامل لانهيار شركة Kodak، بل تُوظَّف بوصفها حالة تفسيرية توضيحية (Illustrative Explanatory Case) تُظهر القوة التفسيرية لنظرية صياغة المشكلة المؤسسية (IPFT) ومفهوم فضاء المشكلة المؤسسية (IPS).

ويتمثل السؤال المحوري لهذه الحالة في: كيف تشكل فضاء المشكلة المؤسسية لدى Kodak، وكيف أسهمت خصائصه الدستورية في تشكيل مسار الإدراك والقرار والتنفيذ الذي أفضى في نهاية المطاف إلى إخفاق مؤسسي بنيوي؟

مبررات اختيار الحالة:
أولًا، أن إخفاق Kodak موثق أكاديميًا بصورة واسعة.
ثانيًا، أن الشركة لم تكن تعاني نقصًا في المعلومات أو المعرفة التقنية.
ثالثًا، أن مسار إخفاقها يعكس بصورة نموذجية الانتقال التراكمي من إخفاق الرؤية إلى إخفاق الصلة فالتمثيل والتفسير والفعل.

7.2 السياق المؤسسي: قبل تشكل الأزمة

بنت Kodak هيمنتها التاريخية على قدرات تقنية واسعة في مجال التصوير الكيميائي، وشبكة توزيع عالمية، وعلامة تجارية بالغة القوة.

وفي عام 1975 طوَّر أحد مهندسي الشركة أول كاميرا رقمية في التاريخ، وتراكمت لدى الشركة لاحقًا معرفة تقنية وبراءات اختراع واسعة في مجال التصوير الرقمي.

وبمعنى آخر، لم تكن التقنية الرقمية غائبة عن علم الشركة، بل كانت حاضرة داخل المؤسسة نفسها.

إن حالة Kodak مهمة نظريًا لأنها تُظهر أن الإخفاق المؤسسي قد يحدث رغم توافر المعلومات والتقنيات والموارد، مما يستلزم البحث عن تفسير أعمق يتعلق بكيفية بناء فضاء المشكلة ذاته.

7.3 تحليل فضاء المشكلة المؤسسية عبر الخصائص الخمس

أولًا: الرؤية (Visibility)

كانت التقنية الرقمية مرئية داخل Kodak من الناحية التقنية، لكن فضاء المشكلة المؤسسية الذي بنته الشركة جعل التهديد الاستراتيجي الكامن في هذه التقنية غير مرئي بالقدر الكافي.

فقد رأت الشركة التقنية الرقمية بوصفها منتجًا تقنيًا إضافيًا، لا بوصفها قوة تحويلية ستعيد تعريف سوق التصوير بالكامل.

وبقيت الإشارات المبكرة المتعلقة بتحول سلوك المستهلك، وتراجع الطلب على الأفلام الكيميائية، وصعود لاعبين جدد في التصوير الرقمي، مرئية على هامش الاهتمام المؤسسي لا في مركزه.

ثانيًا: الصلة (Relevance)

حدد فضاء مشكلة Kodak معايير الصلة انطلاقًا من الهياكل الربحية القائمة.

فقد كانت الأفلام الكيميائية ومستلزمات التحميض تمثل المصدر الرئيس للأرباح، الأمر الذي جعل كل ما يتصل بهذا المجال يحظى بأولوية مرتفعة.

وفي المقابل، اعتُبر التصوير الرقمي ذا صلة محدودة أو تهديدًا مؤجلًا.

ثالثًا: قابلية التمثيل (Representability)

جرى تمثيل الواقع السوقي داخل Kodak من خلال نماذج قياس مرتبطة بحجم مبيعات الأفلام، وعدد محلات التحميض، والحصة السوقية في التصوير الكيميائي.

ورغم دقة هذه المؤشرات في قياس الواقع القائم، فإنها كانت عاجزة عن التقاط التحول البنيوي الجاري في تعريف سوق التصوير نفسه.

وهكذا، أنتجت الشركة تمثيلًا يبدو صحيحًا داخل حدود فضاء المشكلة، لكنه أخفق في الإمساك بالتحول الحقيقي الجاري خارج هذه الحدود.

رابعًا: قابلية التفسير (Interpretability)

عندما واجهت Kodak أدلة متزايدة على نمو التصوير الرقمي، فسرت هذه الأدلة من داخل الإطار التأويلي الذي رسمه فضاء المشكلة.

فاعتُبر التصوير الرقمي منتجًا تكميليًا وليس بديلًا جذريًا، وفُسِّر نمو المنافسين الرقميين بوصفه ظاهرة محدودة النطاق والأثر، واستمر النظر إلى التصوير الكيميائي باعتباره النموذج المستقر للمستقبل.

خامسًا: قابلية الفعل (Actionability)

أدى تراكم الإخفاقات في الخصائص الأربع السابقة إلى بناء فضاء ضيق لقابلية الفعل.

فرغم وجود أصوات داخلية دعت إلى تبني استراتيجيات رقمية أكثر جرأة، ظلت الخيارات الكبرى ـ مثل التحول الجذري نحو التصوير الرقمي أو إعادة تعريف نموذج العمل ـ خارج نطاق ما اعتبرته المؤسسة ممكنًا أو مشروعًا.

وجاءت القرارات الاستراتيجية الفعلية انعكاسًا لهذا الضيق، في صورة استثمارات دفاعية في التصوير الكيميائي، ودخول متأخر ومتردد إلى الأسواق الرقمية، وحلول هجينة لم تمنح الشركة ميزة تنافسية واضحة.

7.4 الإخفاق التنفيذي بوصفه مظهرًا متأخرًا

أعلنت Kodak إفلاسها عام 2012. وغالبًا ما يُصنف هذا الإفلاس بوصفه إخفاقًا في الاستجابة للتغيير أو فشلًا في اتخاذ القرار الاستراتيجي المناسب.

غير أن تحليل IPFT يقترح قراءة مختلفة.

لم يبدأ الإخفاق عند لحظة القرار، بل بدأ قبل ذلك بسنوات طويلة عندما بُني فضاء المشكلة المؤسسية بطريقة جعلت بعض الإشارات غير مرئية، وبعض التحولات غير ذات صلة، وبعض البدائل الاستراتيجية خارج حدود ما يمكن تصوره.

7.5 الدلالة النظرية للحالة

تبرهن حالة Kodak على ثلاث دلالات نظرية رئيسة.

أولًا، أن الإخفاق المؤسسي لا يتطلب غياب المعلومات، فالمعلومات كانت متاحة والتقنية كانت موجودة. ما غاب هو فضاء مشكلة مؤسسي قادر على جعل هذه المعلومات مرئية وذات صلة وقابلة للتفسير والفعل بصورة مختلفة.

ثانيًا، أن الخصائص الدستورية لفضاء المشكلة تعمل بصورة تراكمية، إذ إن إخفاق الرؤية يقود إلى إخفاق الصلة، ثم إلى إخفاق التمثيل والتفسير والفعل.

ثالثًا، أن التشخيص المؤسسي الفعال يتطلب الانتقال من سؤال: «لماذا فشل القرار؟» إلى سؤال: «كيف تشكل فضاء المشكلة الذي أنتج هذا القرار؟»

8. التموضع داخل منظومة Baroom Institutional Systems (BIS)

لا تُقدَّم نظرية صياغة المشكلة المؤسسية (IPFT) ومفهوم فضاء المشكلة المؤسسية (IPS) بوصفهما إطارين مستقلين ومنفصلين عن منظومة (Baroom Institutional Systems: BIS)، بل يمثلان الطبقة التفسيرية السابقة التي تشكل الأساس المعرفي والتنظيمي الذي تعمل فوقه بقية النماذج المكونة للمنظومة.

وتنطلق BIS من افتراض أن الأداء المؤسسي لا يمكن فهمه من خلال النتائج الظاهرة أو القرارات المنفردة، بل يتطلب تحليل الطبقات العميقة التي تشكل الإدراك المؤسسي والحوكمة والقدرة التنفيذية والتكيف التنظيمي.

وفي هذا السياق، تقدم IPFT وIPS المستوى الأسبق الذي تتشكل داخله حدود الإدراك والتمثيل والتفسير والقرار والفعل.

إذا كانت النماذج الأخرى داخل BIS تفسر كيف تدرك المؤسسات الواقع وتمثله وتحكم قراراتها وتنفذ استجاباتها، فإن IPFT وIPS يفسران كيف يتشكل أصلًا الفضاء الذي يجعل هذه العمليات ممكنة.

8.1 العلاقة مع Governance of Institutional Cognition (GIC)

يركز نموذج حوكمة الإدراك المؤسسي (Governance of Institutional Cognition: GIC) على الكيفية التي تدرك بها المؤسسات الواقع وتبني فهمها له عبر عمليات الإدراك والتمثيل والتفسير.

غير أن GIC يفترض وجود مجال إدراكي تعمل داخله عمليات الإدراك المؤسسي.

وتقترح هذه الدراسة أن هذا المجال الإدراكي يتحدد مسبقًا من خلال فضاء المشكلة المؤسسية. فالمؤسسة لا تستطيع إدراك ما يقع خارج حدود فضاء المشكلة الذي قامت ببنائه.

8.2 العلاقة مع Governance–Reality Decoupling (GRD)

يفسر نموذج الانفصال بين الحوكمة والواقع (Governance–Reality Decoupling: GRD) الكيفية التي تنفصل بها التمثيلات والقرارات المؤسسية عن الواقع الفعلي.

وتضيف IPFT تفسيرًا أسبق لهذه الظاهرة، إذ تقترح أن أحد مصادر هذا الانفصال قد يتمثل في بناء فضاء مشكلة غير متسق مع الواقع، الأمر الذي يؤدي إلى رؤية انتقائية، ومعايير صلة غير مناسبة، وتمثيلات قاصرة، وتفسيرات منحازة، وقرارات لا تعكس طبيعة الواقع الفعلي.

8.3 العلاقة مع Institutional Execution Readiness Gap (IERG)

يركز نموذج فجوة الجاهزية التنفيذية المؤسسية (Institutional Execution Readiness Gap: IERG) على تفسير الفجوة بين ما تدركه المؤسسة وما تستطيع تنفيذه فعليًا.

وتقدم هذه الدراسة طبقة تفسيرية أسبق، إذ تقترح أن الجاهزية التنفيذية نفسها تتأثر بالحدود التي أنشأها فضاء المشكلة.

فحين يكون فضاء المشكلة ناقصًا أو متحيزًا، فإن المؤسسة قد تبدو قادرة على التنفيذ، لكنها في الواقع تنفذ استجابات لا تعالج المشكلة الفعلية، أو تتجاهل بدائل استراتيجية أكثر ملاءمة.

8.4 العلاقة مع بقية نماذج BIS

يمتلك مفهوم فضاء المشكلة المؤسسية ارتباطات مباشرة وغير مباشرة مع بقية مكونات منظومة BIS، بما في ذلك نماذج تمثيل الواقع المؤسسي، والانجراف المؤسسي، ووهم الأداء، والإخفاقات التنفيذية، والتدهور المؤسسي.

وتتمثل القيمة الجوهرية لـ IPFT وIPS في أنهما يقدمان المستوى التفسيري الذي يسبق هذه الظواهر جميعًا، ويعيد تنظيم العلاقات السببية بينها من خلال نقطة بداية تحليلية جديدة.

إعادة التوجيه التحليلي:
تقترح هذه الدراسة أن نقطة البداية التحليلية في تفسير الظواهر المؤسسية ينبغي ألا تكون الإدراك المؤسسي أو القرار أو التنفيذ، بل بناء فضاء المشكلة الذي يجعل هذه العمليات ممكنة أصلًا.

8.5 المنطق السببي الصريح (Nomological Logic)

Institutional Reality

Institutional Problem Formulation (IPFT)

Institutional Problem Space (IPS)

Visibility → Relevance → Representability → Interpretability → Actionability

Institutional Cognition (GIC)

Decision Governance → Decision Quality

Execution Readiness (IERG)

Institutional Outcomes

Institutional Learning & Feedback

يقترح هذا المنطق السببي أن التأثيرات المؤسسية تتطور وفق تسلسل يبدأ من بناء فضاء المشكلة وينتهي بالنتائج المؤسسية.

ومن ثم، فإن خصائص الإدراك والقرار والتنفيذ لا تُفهم بوصفها عمليات مستقلة، بل بوصفها مخرجات جزئية للحدود التي أنشأها فضاء المشكلة المؤسسية.

إن IPFT وIPS لا يقدمان مجرد مفاهيم إضافية داخل الأدبيات المؤسسية، بل يقدمان طبقة تفسيرية سابقة تعيد تنظيم العلاقات السببية بين الإدراك والتمثيل والقرار والتنفيذ والنتائج.

9. المساهمات النظرية والانعكاسات

9.1 من عرض النظرية إلى تقييم إسهامها

لا يكفي في الأوراق المفاهيمية الهادفة إلى بناء النظرية أن تُقدم المفاهيم الجديدة بصورة متماسكة، بل يتعين عليها أن تجيب بوضوح عن سؤال جوهري: ما الذي تضيفه هذه الدراسة إلى الأدبيات القائمة؟

واستجابة لهذا السؤال، تقدم هذه الدراسة خمس مساهمات نظرية متمايزة، يعقبها عرض للانعكاسات النظرية والتطبيقية المترتبة على نظرية صياغة المشكلة المؤسسية (IPFT) ومفهوم فضاء المشكلة المؤسسية (IPS).

9.2 المساهمة الأولى: تأسيس طبقة تفسيرية سابقة للإدراك المؤسسي

تتمثل المساهمة الأولى والجوهرية لهذه الدراسة في تطوير إطار نظري ينظّر الطبقة السابقة (Upstream Layer) للإدراك المؤسسي والقرار والتنفيذ.

فبينما تنطلق أدبيات صناعة المعنى، والعقلانية المحدودة، والنظرية المؤسسية من مشكلة قائمة بصورة كافية لتكون موضوعًا للتحليل، تنطلق هذه الدراسة من سؤال أسبق: كيف تُبنى المشكلة المؤسسية ذاتها؟

لا تضيف الدراسة متغيرًا جديدًا إلى النماذج القائمة، بل تقدم مستوى تحليليًا جديدًا يسبقها منطقيًا وسببيًا.

9.3 المساهمة الثانية: تقديم مفهوم فضاء المشكلة المؤسسية بناءً نظريًا مستقلاً

تقدم الدراسة مفهوم فضاء المشكلة المؤسسية بوصفه بناءً نظريًا جديدًا يختلف عن المفاهيم القريبة منه في الأدبيات.

فهو يختلف عن النماذج الذهنية (Mental Models) لأنه ظاهرة مؤسسية لا فردية، ويختلف عن الأطر الإدراكية (Frames) لأنه يتناول المرحلة السابقة لبناء المعنى، كما يختلف عن العقلانية المحدودة لأنه يفسر الفضاء الذي تعمل داخله القيود المعرفية، وليس القيود ذاتها.

كما يتمتع IPS بخصائص تجعله قابلاً للتشغيل التحليلي، إذ يمكن تحديده وتشخيصه ومقارنته بين المؤسسات، ودراسة تطوره وتحولاته عبر الزمن.

9.4 المساهمة الثالثة: نظرية جديدة لتشكل الإخفاق المؤسسي

تقدم هذه الدراسة تفسيرًا جديدًا للإخفاق المؤسسي. فبدلًا من تفسير الإخفاق بقصور الإدراك، أو ضعف القرار، أو فشل التنفيذ، تقترح الدراسة أن الإخفاق قد يتشكل في مرحلة أسبق تتمثل في بناء فضاء المشكلة ذاته.

فمن خلال الرؤية والصلة والتمثيل والتفسير والفعل، تُرسم مسارات الإخفاق بصورة تراكمية وصامتة قبل أن تتجلى في القرارات أو المخرجات التنفيذية.

الدلالة التشخيصية:
كثير من الإخفاقات المؤسسية لا تبدأ عند لحظة اتخاذ القرار، بل تبدأ عندما تبني المؤسسة فضاءً للمشكلة يجعل بعض الإشارات غير مرئية، وبعض المعلومات غير ذات صلة، وبعض البدائل خارج نطاق ما يمكن تصوره.

9.5 المساهمة الرابعة: إدخال مفردات تشخيصية جديدة

تقدم الدراسة منظومة مفاهيمية جديدة تشمل: نظرية صياغة المشكلة المؤسسية بوصفها نظرية للبناء، وفضاء المشكلة المؤسسية بوصفه نظرية للحدود، والخصائص الدستورية الخمس بوصفها أدوات تحليلية قابلة للتطبيق في التشخيص المؤسسي.

كما تقدم الدراسة مجموعة جديدة من الأسئلة التشخيصية، لا تركز على سبب فشل القرار، بل على الكيفية التي تشكل بها فضاء المشكلة الذي أنتج هذا القرار.

9.6 المساهمة الخامسة: إعادة تموضع نقطة البداية التحليلية

تقترح هذه الدراسة أن نقطة البداية التحليلية في تفسير الظواهر المؤسسية ينبغي ألا تكون الإدراك المؤسسي أو القرار أو التنفيذ، بل بناء فضاء المشكلة الذي يجعل هذه العمليات ممكنة أصلًا.

ومن ثم، فإن الدراسة لا تقدم بناءً نظريًا جديدًا فحسب، بل تقترح إعادة توجيه تحليلية (Analytical Reorientation) في دراسة الأداء والإخفاق المؤسسي.

تنتقل الدراسة من سؤال: «ماذا تفعل المؤسسات؟» إلى سؤال: «كيف يتشكل الفضاء الذي يحدد ما تستطيع المؤسسات فعله أصلًا؟»

9.7 الانعكاسات النظرية

تحمل هذه الدراسة ثلاث انعكاسات نظرية رئيسة.

أولًا، تدعو إلى إعادة النظر في نقطة البداية التحليلية في دراسات الإدراك المؤسسي وصنع القرار.

ثانيًا، تدعو إلى توسيع مفهوم الفشل المؤسسي ليشمل الإخفاق في بناء فضاء مشكلة مناسب، وليس فقط الإخفاق في القرار أو التنفيذ.

ثالثًا، تفتح الدراسة برنامجًا بحثيًا جديدًا يتمحور حول كيفية بناء المؤسسات لفضاءات مشكلاتها، والعوامل التي تحدد جودتها، وكيفية تطورها وإعادة بنائها عبر الزمن.

9.8 الانعكاسات التطبيقية

رغم أن هذه الدراسة ورقة نظرية بامتياز، فإنها تحمل انعكاسات تطبيقية واضحة لممارسي الحوكمة المؤسسية والإدارة الاستراتيجية.

فهي تشير إلى أن جهود التشخيص المؤسسي يجب أن تمتد إلى ما قبل مرحلة تحليل القرارات والنتائج، لتشمل مساءلة فضاء المشكلة ذاته، من خلال فحص ما أصبح مرئيًا، وما اعتُبر مهمًا، وكيف مُثّل الواقع، وكيف فُسر، وما أصبح ممكنًا داخل المؤسسة.

النتيجة التطبيقية الرئيسة:
قد تظل مبادرات التحسين المؤسسي التي تركز حصريًا على تطوير أدوات القرار أو تعزيز القدرات التنفيذية قاصرة إذا لم تُعالج البنية الأعمق المتمثلة في فضاء المشكلة الذي تبنيه المؤسسة.

10. حدود الدراسة واتجاهات البحث المستقبلية

10.1 حدود الدراسة

تنتمي هذه الدراسة إلى فئة الأوراق المفاهيمية الهادفة إلى بناء النظرية، ومن ثم فإن مساهمتها الرئيسة تتمثل في تطوير بناءات مفاهيمية جديدة وتقديم منطق سببي يفسر الكيفية التي تبني بها المؤسسات فضاءات مشكلاتها.

ونتيجة لهذا التموضع المنهجي، لا تسعى الدراسة إلى اختبار الفرضيات بصورة تجريبية، ولا تقدم مقاييس تشغيلية (Operational Measures) للخصائص الدستورية لفضاء المشكلة المؤسسية.

كما لا تهدف الدراسة إلى الادعاء بأن فضاء المشكلة يمثل المتغير الوحيد المفسر للأداء والإخفاق المؤسسي، بل تقترح أنه يمثل طبقة تفسيرية سابقة تسهم في تشكيل الحدود التي تعمل داخلها عمليات الإدراك والقرار والتنفيذ.

إضافة إلى ذلك، استخدمت الدراسة حالة Kodak بوصفها حالة تفسيرية توضيحية، ولم يكن الهدف منها اختبار النظرية أو تعميم نتائجها على جميع السياقات المؤسسية.

الحدود المنهجية للدراسة:
تمثل هذه الورقة إطارًا مفاهيميًا لتطوير النظرية، وتبقى الحاجة قائمة إلى دراسات مستقبلية تختبر البناءات المطروحة تجريبيًا وتطور أدوات تشخيصية وتشغيلية لقياسها.

10.2 اتجاهات البحث المستقبلية

تفتح نظرية صياغة المشكلة المؤسسية ومفهوم فضاء المشكلة المؤسسية مسارًا بحثيًا جديدًا في الدراسات المؤسسية، يتمحور حول الكيفية التي تبني بها المؤسسات مشكلاتها وحدود إدراكها وقراراتها واستجاباتها.

ومن بين المسارات البحثية المستقبلية الممكنة، دراسة الاختلافات بين المؤسسات في خصائص فضاءات المشكلات التي تبنيها، والعوامل التي تسهم في اتساع هذه الفضاءات أو تضييقها، ودور القيادة والحوكمة والثقافة التنظيمية في تشكيلها وإعادة بنائها.

كما تمثل دراسة تطور فضاءات المشكلات عبر الزمن، وآليات انتقالها من جيل إداري إلى آخر، ودورها في التكيف المؤسسي في بيئات التعقيد وعدم اليقين، مجالات واعدة للتطوير النظري والتجريبي.

إضافة إلى ذلك، يمكن أن تسهم الدراسات المستقبلية في تطوير أدوات تشخيصية ومؤشرات تشغيلية لقياس الخصائص الدستورية الخمس لفضاء المشكلة المؤسسية، وفحص علاقتها بجودة الإدراك المؤسسي، وجودة القرار، والجاهزية التنفيذية، والنتائج المؤسسية.

إن القيمة الحقيقية لـ IPFT وIPS لا تكمن فقط في تفسير الظواهر المؤسسية القائمة، بل في فتح برنامج بحثي جديد يتمحور حول الكيفية التي تبني بها المؤسسات الواقع الذي تعمل داخله.

11. المقترحات البحثية

انطلاقًا من البنية النظرية لـ IPFT وIPS، تقدم هذه الدراسة أربعة مقترحات بحثية قابلة للتطوير والاختبار في الدراسات اللاحقة.

P1.
تبني المؤسسات فضاءات للمشكلة قبل أن تبدأ عمليات الإدراك المؤسسي الرسمي وصنع القرار.
P2.
يؤدي التباين في الخصائص الدستورية لفضاء المشكلة المؤسسية إلى اختلافات منهجية في جودة الإدراك المؤسسي وجودة القرار.
P3.
كثيرًا ما تنشأ الإخفاقات المؤسسية في قصور بناء فضاء المشكلة، وليس في مرحلة التنفيذ وحدها.
P4.
تتمتع المؤسسات ذات فضاءات المشكلات الأكثر اتساعًا وتنوعًا بقدرة أعلى على التكيف الاستراتيجي في بيئات التعقيد وعدم اليقين.

12. بيان التموضع النظري

لا تقدم هذه الدراسة نظرية بديلة لصنع القرار، أو لصناعة المعنى، أو للفعل المؤسسي.

بل تقدم نظرية سابقة لهذه العمليات، تفسر الكيفية التي تبني بها المؤسسات فضاءات المشكلات التي تجعل هذه العمليات ممكنة أصلًا.

إن IPFT وIPS لا ينافسان الأطر القائمة، بل يؤسسان الطبقة السببية التي تعمل فوقها عمليات الإدراك والتمثيل والقرار والتنفيذ.

10.4 آفاق التطوير المستقبلي: من النظرية إلى التشغيل والتطبيق

تمثل هذه الدراسة خطوة تأسيسية أولى في بناء نظرية صياغة المشكلة المؤسسية (Institutional Problem Formulation Theory: IPFT) ومفهوم فضاء المشكلة المؤسسية (Institutional Problem Space: IPS). ومع ذلك، فإن الإمكانات التفسيرية والتطبيقية للنظرية تفتح عدة مسارات بحثية واعدة لتطويرها وتوسيع نطاق استخدامها.

الاتجاه الأول: تطوير أدوات التشغيل الميداني

تتمثل الخطوة التالية في تشغيل النظرية (Operationalization) من خلال تطوير أدوات تشخيصية لقياس الخصائص الدستورية الخمس لفضاء المشكلة المؤسسية: الرؤية، والصلة، وقابلية التمثيل، وقابلية التفسير، وقابلية الفعل. ويمكن أن تتخذ هذه الأدوات شكل مصفوفة تشخيصية أو استبيان معياري يسمح بتقييم جودة فضاء المشكلة المؤسسية ومقارنته عبر المؤسسات والقطاعات المختلفة.
الاتجاه الثاني: تنويع الحالات التطبيقية

على الرغم من أن حالة Kodak قدمت مثالاً تفسيرياً مناسباً لإبراز القوة النظرية لـ IPFT وIPS، فإن البيئات المعاصرة تتيح حالات إضافية يمكن أن تثري النظرية. ومن الأمثلة الواعدة المؤسسات والشركات التي واجهت تحديات مرتبطة بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، أو أخفقت في استيعاب التحولات التكنولوجية المتسارعة. ومن شأن تحليل هذه الحالات أن يسهم في اختبار قدرة النظرية على تفسير أنماط جديدة من الإخفاق المؤسسي في بيئات تتسم بدرجات مرتفعة من التعقيد وعدم اليقين.
الاتجاه الثالث: تأطير حلقة التغذية الراجعة وإعادة بناء فضاء المشكلة

قدمت هذه الدراسة فضاء المشكلة المؤسسية بوصفه بناءً سابقاً للإدراك المؤسسي والقرار والتنفيذ. غير أن العلاقة بين النتائج المؤسسية وإعادة تشكيل فضاء المشكلة ما تزال تحتاج إلى مزيد من التطوير النظري. وتمثل آليات التعلم المؤسسي والتغذية الراجعة مجالاً بحثياً واعداً لفهم الكيفية التي تؤدي بها النتائج الناجحة أو الإخفاقات المتراكمة إلى إعادة بناء فضاءات المشكلات المؤسسية وتعديل خصائصها الدستورية عبر الزمن.
الاتجاه الرابع: ترقية النظرية نحو إطار تشغيلي وتكيفي

ينسجم المنظور المعرفي الذي تقوم عليه نظرية صياغة المشكلة المؤسسية مع افتراض جوهري يتمثل في أن تطوير الأداء المؤسسي لا ينبغي أن يبدأ فقط من تحسين الأدوات أو القرارات أو القدرات التنفيذية، بل من إعادة فحص وترقية فضاء المشكلة المؤسسية نفسه. فالمؤسسات لا تتصرف تجاه الواقع في صورته المباشرة، وإنما تجاه الواقع كما أصبح مرئيًا وذا صلة وقابلًا للتمثيل والتفسير والفعل داخل فضاء المشكلة الذي بنته. ومن هذا المنطلق، تفتح النظرية مسارات تطوير إضافية تشمل الانتقال من المستوى التفسيري إلى المستوى التشغيلي عبر تطوير مؤشرات قياس ومصفوفات تشخيصية قابلة للتطبيق، ودراسة الكيفية التي تسهم بها الأنظمة الخوارزمية والذكاء الاصطناعي في بناء «فضاءات للمشكلات» بصورة جزئية أو مستقلة، وما يترتب على ذلك من متطلبات جديدة لحوكمة عمليات صياغة المشكلات المؤسسية في البيئات الرقمية المعاصرة.
وتشير هذه المسارات مجتمعة إلى أن IPFT و IPS لا يمثلان إطارين تفسيريين مغلقين، بل برنامجًا بحثيًا مؤسسيًا ناشئًا (An Emerging Institutional Research Program) قابلًا للتشغيل والاختبار والتطوير المستمر، يهدف إلى تفسير الكيفية التي تتشكل بها حدود الإدراك والقرار والتنفيذ داخل المؤسسات، وكيف يمكن إعادة بنائها وتطويرها في سياقات التغير المؤسسي والتكنولوجي المتسارع.

13. الخاتمة

تنطلق هذه الدراسة من ملاحظة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في انعكاساتها النظرية، وهي أن المؤسسات لا تبدأ عملها من مشكلات موضوعية جاهزة، بل تبني أولًا فضاءً معرفيًا وتنظيميًا يحدد ما يصبح مرئيًا، وما يعتبر مهمًا، وكيف يُمثل الواقع ويُفسر، وما يصبح قابلًا للقرار والفعل.

واستجابةً لهذه الملاحظة، قدمت الدراسة نظرية صياغة المشكلة المؤسسية بوصفها نظرية للبناء، تفسر الكيفية التي تنتج بها المؤسسات فضاءات مشكلاتها.

كما قدمت مفهوم فضاء المشكلة المؤسسية بوصفه نظرية للحدود، تفسر الفضاء المعرفي والتنظيمي الذي يحدد عبر خصائصه الدستورية الخمس ما يصبح ممكنًا داخل المؤسسة.

وأظهرت حالة Kodak التفسيرية أن الإخفاق المؤسسي لا يتطلب بالضرورة غياب المعلومات أو ضعف القدرات التنفيذية، بل قد يتشكل في مرحلة أسبق، حين يُبنى فضاء المشكلة بصورة تجعل بعض الإشارات غير مرئية، وبعض المعطيات غير ذات صلة، وبعض الخيارات خارج نطاق ما يمكن تصوره.

لا تفشل المؤسسات فقط في قراراتها أو في تنفيذها، بل كثيرًا ما تفشل في مرحلة أعمق وأسبق، حين تبني فضاءات للمشكلات تحدد ضمنيًا ما يمكن رؤيته، وما يُعتبر مهمًا، وما يمكن تصوره والقيام به.

ومن ثم، فإن فهم الأداء والإخفاق المؤسسي يتطلب الانتقال من تحليل القرارات والنتائج الظاهرة إلى تحليل الفضاءات التي تبنيها المؤسسات قبل أن تبدأ أصلًا في التفكير والقرار والتنفيذ.

14. المراجع

Ackoff, R. L. (1974). Redesigning the Future: A Systems Approach to Societal Problems. Wiley.

Chugh, D., & Bazerman, M. H. (2007). Bounded awareness: What you fail to see can hurt you. Mind & Society, 6(1), 1–18.

Cornelissen, J. P. (2017). Developing propositions, a process model, or a typology? Addressing the challenges of theory building in qualitative research. Academy of Management Review, 42(1), 1–9.

Cornelissen, J. P., & Werner, M. D. (2014). Putting framing in perspective: A review of framing and frame analysis across the management and organizational literature. Academy of Management Annals, 8(1), 181–235.

Cornelissen, J. P., Höllerer, M. A., & Seidl, D. (2021). What theory is and can be: Forms of theorizing in organizational scholarship. Organization Theory, 2(3), 1–31.

Cyert, R. M., & March, J. G. (1963). A Behavioral Theory of the Firm. Prentice Hall.

DiMaggio, P. J., & Powell, W. W. (1983). The iron cage revisited: Institutional isomorphism and collective rationality in organizational fields. American Sociological Review, 48(2), 147–160.

Jaakkola, E. (2020). Designing conceptual articles: Four approaches. AMS Review, 10(1–2), 18–26.

Kahneman, D. (2011). Thinking, Fast and Slow. Farrar, Straus and Giroux.

Langley, A., & Tsoukas, H. (2017). Introduction: Process thinking, process theorizing and process research in organization studies. In A. Langley & H. Tsoukas (Eds.), The SAGE Handbook of Process Organization Studies (pp. 1–25). Sage.

Lyles, M. A., & Mitroff, I. I. (1980). Organizational problem formulation: An empirical study. Administrative Science Quarterly, 25(1), 102–119.

Maitlis, S., & Christianson, M. (2014). Sensemaking in organizations: Taking stock and moving forward. Academy of Management Annals, 8(1), 57–125.

Maitlis, S., & Sonenshein, S. (2010). Sensemaking in crisis and change: Inspiration and insights from Weick (1988). Journal of Management Studies, 47(3), 551–580.

March, J. G., & Simon, H. A. (1958). Organizations. Wiley.

Mintzberg, H., Raisinghani, D., & Théorêt, A. (1976). The structure of “unstructured” decision processes. Administrative Science Quarterly, 21(2), 246–275.

Ocasio, W. (1997). Towards an attention-based view of the firm. Strategic Management Journal, 18(S1), 187–206.

Ocasio, W., Laamanen, T., & Vaara, E. (2018). Communication and attention dynamics: Toward a theory of strategic attention management. Strategic Management Journal, 39(1), 155–167.

Rerup, C., & Levinthal, D. A. (2022). The plural of goal: Learning to walk while chewing gum. Organization Science, 33(1), 185–205.

Rittel, H. W. J., & Webber, M. M. (1973). Dilemmas in a general theory of planning. Policy Sciences, 4(2), 155–169.

Schön, D. A. (1983). The Reflective Practitioner: How Professionals Think in Action. Basic Books.

Scott, W. R. (2014). Institutions and Organizations: Ideas, Interests, and Identities (4th ed.). Sage.

Simon, H. A. (1947/1997). Administrative Behavior: A Study of Decision-Making Processes in Administrative Organizations (4th ed.). Free Press.

Simon, H. A. (1955). A behavioral model of rational choice. Quarterly Journal of Economics, 69(1), 99–118.

Simon, H. A. (1973). The structure of ill-structured problems. Artificial Intelligence, 4(3–4), 181–201.

Stigliani, I., & Ravasi, D. (2023). Materializing sensegiving: Visual artifacts and the communication of new strategic directions. Organization Science, 34(2), 712–735.

Suddaby, R. (2010). Editor's comments: Construct clarity in theories of management and organization. Academy of Management Review, 35(3), 346–357.

Vuori, T. O., & Huy, Q. N. (2016). Distributed attention and shared emotions in the innovation process: How Nokia lost the smartphone battle. Administrative Science Quarterly, 61(1), 9–51.

Weick, K. E. (1995). Sensemaking in Organizations. Sage.

Weick, K. E., Sutcliffe, K. M., & Obstfeld, D. (2005). Organizing and the process of sensemaking. Organization Science, 16(4), 409–421.

Whetten, D. A. (1989). What constitutes a theoretical contribution? Academy of Management Review, 14(4), 490–495.

تعليقات