BIS Knowledge Series | BIS-KS-01

متى تبدأ المؤسسة الناجحة في فقدان بوصلتها؟

قراءة تفسيرية في انجراف المقصد المؤسسي، ولماذا قد تبدأ المؤسسة في فقدان رسالتها قبل أن تفقد نتائجها.

الوظيفة المعرفية: كشف الظاهرة | زمن القراءة: 8–10 دقائق
متى تبدأ المؤسسة الناجحة في فقدان بوصلتها؟ - BIS Knowledge Series

المشهد المؤسسي

انتهى الاجتماع الربعي، وبدت جميع المؤشرات مطمئنة. الإيرادات تنمو، والمشروعات تسير وفق الخطة، وتقارير الأداء لا تشير إلى مشكلة واضحة. ابتسم الجميع وهم يغادرون الغرفة، وتبادلوا عبارات الاعتزاز بالإنجازات.

لكن بعد أيام، بدأت تظهر إشارات خفيفة: تراجع في ثقة العملاء، صمت في فرق العمل، قرارات تبدو صحيحة نظامياً لكنها لا تبدو صحيحة مؤسسياً. لم يكن هناك حدث مفاجئ، ولم تنهار الأرقام. ومع ذلك، كان هناك شعور يصعب تفسيره؛ فكل شيء بدا صحيحاً على الورق، لكن شيئاً ما لم يعد يبدو في مكانه.

السؤال الذي لم يطرحه أحد في ذلك الاجتماع كان الأكثر أهمية:
هل ما زالت هذه المؤسسة تتحرك في الاتجاه الذي أُنشئت من أجله؟

المفارقة

وكلما ازدادت المؤشرات اطمئناناً، ازداد السؤال إلحاحاً.

كيف يمكن لمؤسسة أن تحقق أهدافها، بينما تبتعد تدريجياً عن الغاية التي وُجدت من أجلها؟

السؤال المركزي

ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: لماذا تفشل المؤسسات؟

بل: متى تبدأ المؤسسة الناجحة في فقدان بوصلتها؟

بداية التفسير

لعل السؤال الأقل طرحاً في الاجتماعات الإدارية هو: هل ما زلنا نسير في الاتجاه الصحيح؟ ليس لأن أحداً لا يهتم، بل لأن الجميع مشغول بأسئلة أخرى تبدو أكثر إلحاحاً: هل حققنا الأهداف؟ هل التزمنا بالميزانية؟ هل انتهت المشاريع في وقتها؟

هذه الأسئلة مشروعة، بل ضرورية. لكنها تتعلق بأداة واحدة من أدوات النجاح: الأداء. بينما السؤال الأعمق يتعلق بشيء آخر: المقصد، أي الغاية التي من أجلها وُجدت المؤسسة أصلاً.

المفارقة المتجددة

قد يكون الأداء ممتازاً، والمؤشرات مشجعة، والتقارير خالية من الأخطاء، لكن المؤسسة مع ذلك قد تكون في طريقها إلى الضياع. ليس لأنها تفشل في تنفيذ خططها، بل لأنها قد تنجح في تنفيذ الخطط الخاطئة.

هذه هي المفارقة التي يصعب التقاطها بلغة الأرقام: النجاح التشغيلي قد يحجب الانحراف الاستراتيجي. فالمؤسسة التي تركز على "كيف تفعل" قد تنسى أن تسأل "لماذا تفعل".

التمييز الأولي

ربما هنا يكمن الفرق الجوهري الذي نادراً ما يُناقش:

  • هناك نجاح في الأداء، وهو ما نقيسه عادةً: الأرباح، الحصة السوقية، اكتمال المشاريع، رضا العملاء.
  • وهناك سلامة الاتجاه، وهو أمر مختلف: هل ما زالت المؤسسة تخدم الغاية التي أُنشئت من أجلها؟ هل تزداد قرباً من رسالتها أم تبتعد عنها؟

الأول يقاس بصورة اعتيادية في معظم المؤسسات، أما الثاني فلا يحظى غالباً بالقدر نفسه من الاهتمام المنهجي. لكن إهمال الثاني قد يجعل الأول بلا معنى على المدى البعيد.

السؤال الذي لم يُطرح

الإجابة، كما قد يبدو، ليست في لحظة الأزمة، بل في اللحظة التي يتوقف فيها سؤال الغاية عن الحضور في النقاش المؤسسي.

عندما تصبح الاجتماعات كلها عن "كيف" و"متى" و"بكم"، ويختفي سؤال "لماذا" من النقاش، فقد يكون المؤشر الأصدق على أن المؤسسة بدأت تفقد بوصلتها، حتى قبل أن تظهر أي أزمة في أرقامها.

نحو اسم للظاهرة

إذا كان هذا النمط يتكرر في مؤسسات مختلفة، فربما لا نتعامل مع حالات متفرقة، بل مع ظاهرة تستحق أن ننظر إليها بوصفها نمطاً مؤسسياً.

قد نلاحظ أن هذا النمط - نجاح في الأداء، لكن تراجع في الاتجاه - يتكرر في قطاعات متعددة، وفي فترات زمنية متباعدة. إنه ليس مجرد خطأ عابر، ولا نتيجة لقرار خاطئ واحد. إنه تحول تدريجي، يبدأ بهدوء، ويتغذى على النجاح نفسه، حتى يصبح هو المسار السائد.

نحتاج إلى اسم لهذه الظاهرة. ليس لوضعها في قالب، بل لجعلها أكثر قابلية للرصد والتتبع.

المفهوم الجديد

يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها نوعاً من "انجراف المقصد" (Purpose Drift): تحول تدريجي تصبح فيه ممارسات المؤسسة أقل اتساقاً مع الغاية التي أُنشئت من أجلها، رغم استمرار الأداء الظاهري بصورة تبدو ناجحة.

إنه أشبه بسفينة تغير اتجاهها بدرجة واحدة كل يوم؛ فلا يشعر أحد بالتغيير، لكن بعد شهور، تجد السفينة نفسها في مياه لم تكن تنوي الذهاب إليها أبداً.

في المؤسسات، يحدث هذا عندما تبدأ الأنظمة والإجراءات والمؤشرات في العيش بحياة مستقلة عن الرسالة الأصلية. تصبح وسائل تحقيق الرسالة غايات قائمة بذاتها، ويُنسى السؤال الأهم: لماذا نفعل ما نفعله؟

ملامح الانجراف

قد يكون الانجراف واضحاً في سلوك المؤسسة عبر الزمن. تبدأ المؤسسة برسالة واضحة، ثم مع الوقت، تنشأ إجراءات لتخدم تلك الرسالة. ومع مزيد من الوقت، تصبح الإجراءات هي ما يُراقب ويُقاس. ثم تأتي لحظة تصبح فيها الإجراءات هي الغاية، وتُصبح الرسالة مجرد كلمات في وثيقة قديمة.

وفي كل خطوة من هذه الرحلة، يبدو القرار معقولاً.

لا يوجد قرار خاطئ واحد. لكن مجموع القرارات الصحيحة في سياقاتها الجزئية يقود إلى اتجاه خاطئ في سياقه الكلي.

الاسم والعدسة

ليس الغرض من تسمية هذه الظاهرة هو تعريفها فقط، بل هو منح القارئ عدسة يرى من خلالها ما كان يراه دون أن يفسره. لأن التحدي الحقيقي ليس في غياب المعلومات، بل في غياب الإطار الذي ينظم تلك المعلومات ويجعلها ذات معنى.

"انجراف المقصد" ليس مجرد مصطلح جديد. إنه عدسة تفسيرية قد تساعدنا على إعادة النظر في علاقة المؤسسة بغايتها، وفي العلاقة بين ما تقيسه وما يهم حقاً، وفي المسافة التي قد تنشأ بين النجاح التشغيلي وسلامة الاتجاه.

العدسة المؤسسية

الفكرة قد تبدأ المؤسسة في فقدان رسالتها قبل أن تفقد نتائجها.
الإشارة المؤسسية عندما يبدأ النظام في حماية نفسه أكثر من حماية رسالته، يبدأ الانجراف قبل أن تبدأ الأزمة.
السؤال المفتوح كيف يتحول نظام صُمم لخدمة الرسالة إلى نظام يخدم نفسه؟
في الوحدة القادمة (BIS-KS-02):
إذا كان انجراف المقصد يبدأ بصمت، فكيف تتحول الممارسات اليومية الطبيعية إلى آلية تدفع المؤسسة تدريجياً بعيداً عن رسالتها؟
الحوكمة الاستراتيجية المؤسسات جودة القرار BIS Knowledge Series

روابط التواصل

جميع الحقوق محفوظة © 2026
د. محمد عيدروس باروم
Baroom Institutional Systems | BIS Knowledge Series

تعليقات