الاستدامة المؤسسية المقيدة بالغرض: نحو نظرية لتثبيت الغرض في المؤسسات المؤبَّدة
Purpose-Locked Perpetuity
Toward a Theory of Purpose Preservation in Perpetual Institutions
تفسر الدراسة الاستدامة المؤسسية من خلال تفاعل تثبيت الغرض، والقدرة على إنفاذه، والمرونة الأداتية، مع التمييز بين بنية الحوكمة المصممة وتحققها الفعلي.
ملخص (Abstract)
تُعيد هذه الدراسة تحديد وحدة التحليل في بحوث المؤسسات طويلة الأجل؛ إذ تنتقل من تصنيف المؤسسة إلى فحص الآليات التي تُثبِّت غرضها عبر الزمن. وتنطلق من سؤال رئيس: كيف تُقيَّد قدرة السلطة الإدارية القائمة على إعادة تعريف الغرض التأسيسي للمؤسسات المؤبَّدة؟ وللإجابة، تقترح الدراسة إطارًا تحليليًا يتكون من ثلاثة أبعاد مترابطة: تثبيت الغرض (Purpose Lock)، والقدرة على الإنفاذ (Enforcement Capacity)، والمرونة الأداتية (Instrumental Adaptability). ويُوظَّف الإطار في تحليل حالتين وقفيتين مجهّلتي الهوية، مع إجراء مقارنة نظرية بأدبيات حوكمة الصناديق السيادية وصناديق الأوقاف الجامعية، والاستناد إلى الإطار النظامي السعودي بوصفه مرجعية علنية لبنية الحوكمة. وتخلص الدراسة، في حدود تصميمها النوعي الاستكشافي، إلى بلورة نموذج «الاستدامة المؤسسية المقيدة بالغرض» (Purpose-Locked Perpetuity)، الذي يميّز بين بنية الحوكمة المصمَّمة (Governance Architecture) وتحققها في الممارسة (Governance Realization). وتشير النتائج إلى أن المرونة المؤسسية طويلة الأجل لا تستلزم بالضرورة مرونة الغرض؛ بل قد تتحقق من خلال اقتران ثبات الغرض بقدرة إنفاذ قابلة للتفعيل ومرونة في الأدوات التنفيذية. ولا يُقصد من النتائج إثبات علاقة سببية أو تعميم إحصائي، وإنما تقديم تفسير تحليلي قابل للاختبار في دراسات لاحقة أوسع نطاقًا.
الكلمات المفتاحية: تثبيت الغرض، الانحراف المؤسسي، حوكمة الوقف، الصناديق السيادية، صناديق الأوقاف الجامعية، بنية الحوكمة مقابل تفعيلها.
1. المقدمة وصياغة المشكلة
الأدبيات المتعلقة بالانحراف المؤسسي (Institutional Drift) تطورت بشكل مستقل عن أدبيات حوكمة الأصول طويلة الأمد، رغم أنهما يتناولان المشكلة ذاتها من زاويتين مختلفتين: الأولى تسأل "لماذا تنحرف المؤسسات عن غرضها؟"، والثانية تسأل "كيف تُدار الأصول عبر أفق زمني ممتد؟". تسعى هذه الدراسة إلى وصل الزاويتين عبر سؤال واحد: ما الآلية البنيوية التي تمنع إعادة تعريف الغرض التأسيسي إدارياً عبر الزمن، وما الشروط التي تجعل هذه الآلية فعّالة لا شكلية؟
الوقف الإسلامي يمثّل حالة تصميم قصوى (Extreme Design Case) لهذا السؤال: مؤسسة تُؤبَّد أصلها بينما يُغلَق غرضها التأسيسي قانونياً وشرعياً أمام إعادة التعريف الإداري. هذا يجعله موضوعاً منهجياً مثالياً — لا لافتراض تفوقه المؤسسي مسبقًا، بل لاختبار حدود الآلية النظرية ذاتها، وفحص الفجوة الممكنة بين تصميمها المثالي وتفعيلها الفعلي.
2. مراجعة الأدبيات
2.1 أدبيات الانحراف المؤسسي: أدوات نظرية عامة غير مطبَّقة على الوقف
الأدبيات المعاصرة حول الانحراف المؤسسي تقر بأن التمييز الجوهري ليس بين التغيير وعدمه، بل بين نوعين من التغيير؛ إذ التكيف مع الظروف المتغيرة ليس بالضرورة علامة على الانحراف، والتحدي هو التمييز بين التكيف الذي يعزز الغرض الجوهري للمؤسسة والتغيير الذي يستبدله تدريجياً بشيء آخر. (Mahoney & Thelen, 2010) بعض المؤسسات تنجو من هذا الفخ عبر مراجعة دورية، حيث إن المؤسسات الناجحة تسأل دورياً لماذا تأسست، وما المشكلة التي كانت تحاول حلها أصلاً، وهل أنشطتها الحالية ما تزال تخدم ذلك الغرض. (Mahoney & Thelen, 2010)
إطار أكثر دقة يميّز بين نوعين من إعادة التفسير: فبينما لا يُعد التكيف دليل انحراف بل شرطاً للبقاء، ولا تجادل أطر الانحراف المعرفي من أجل الحفاظ الجامد على الشكل التأسيسي، (Hacker, Pierson, & Thelen, 2015) فإن الانحراف الحقيقي يحدث حين تُحفظ الاستمرارية السردية أداءً بينما يعيد المنطق التشغيلي تنظيم نفسه دون إعادة صياغة مقابلة له. (Hacker, Pierson, & Thelen, 2015) آلية أخرى موثقة لهذا الانحراف هي "المرونة الأخلاقية"، حيث تتسع الحدود الدلالية للغرض التأسيسي تدريجياً حتى تفقد قدرتها التمييزية، فيصبح أي إجراء تقريباً قابلاً للتبرير ضمن الإطار السردي المرن. (Hacker, Pierson, & Thelen, 2015)
الطبقة الزمنية للانحراف موثقة أيضاً في أدبيات فشل المؤسسات، حيث يُلاحَظ أن الانحراف عن الرسالة يحدث حين يكون الغرض محفوظاً في الوثائق أو الثقافة أو القيادة بدلاً من أن يكون محفوظاً في البنية ذاتها. (Meyer & Rowan, 1977) هذا الاستنتاج، على نحو خاص، هو نقطة الالتقاء المباشرة مع فرضية هذه الورقة: الوقف يمثّل الحالة التي يُحفَظ فيها الغرض في البنية (شرط الواقف كقيد قانوني-شرعي) لا في الثقافة أو القيادة، مما يجعله اختباراً تحليليًا طبيعياً لهذا الاستنتاج النظري.
كما توثق أدبيات الانحراف في المنظمات الهجينة أن الحوكمة نفسها قد تكون مصدر الانحراف لا حاميه، إذ إن بنى وممارسات الحوكمة قد تُرجّح منطقاً مؤسسياً على آخر، مما ينتج تحولات تراكمية بعيداً عن توازن الرسالة، وقد ينبع الانحراف من تركيبة مجلس الإدارة أو هياكل التمويل أو أنظمة الحوافز التي تُفضّل النتائج الاقتصادية القابلة للقياس الكمي. (Ebrahim, Battilana, & Mair, 2014) وعلى المستوى الأدق، فإن الانحراف قد لا يكون قراراً واحداً حاسماً بل تراكماً غير محسوس، حيث تزداد الانحرافات في أداء الممارسة تدريجياً حتى تصبح مطبَّعة، وهو ما يتيح مزيداً من الانحراف الطفيف في الأداءات المستقبلية. (Battilana & Lee, 2014)
ما لم تنجزه هذه الأدبيات: تظل هذه الأدبيات، في مجملها، إما عامة (نظرية مؤسسية مجردة) أو مقتصرة على القطاع غير الربحي والمنظمات الهجينة. لم تُختبر آلياتها التفسيرية على الوقف كحالة تصميم قصوى للتثبيت البنيوي للغرض، ولم تُصَغ كثنائي متغيرات قابل للترميز المقارن (Purpose Rigidity × Instrumental Adaptability) عبر أنواع مختلفة من مؤسسات إدارة الأصول طويلة الأمد.
2.2 حوكمة الوقف: تراكم معرفي غزير دون تقاطع مع أدبيات الانحراف المؤسسي العامة
أدبيات حوكمة الوقف تناولت الموضوع من ثلاث زوايا متوازية: الأولى تدمج مبادئ الحوكمة العامة بالحوكمة الشرعية عبر التركيز على المساءلة المزدوجة تجاه الله وتجاه أصحاب المصلحة، مستندة إلى النزاهة والقيادة الأخلاقية ومقاصد الشريعة، (Ihsan & Ibrahim, 2011; Abdel Mohsin, 2025) مع ملاحظة أن التطبيق الفعلي لهذه المبادئ يبقى غير منتظم ويفتقر غالباً إلى رقابة منهجية وآليات وقائية (Ihsan & Ibrahim, 2011; Abdel Mohsin, 2025) — وهذه الملاحظة تحديداً تدعم فرضية الفجوة بين البنية المصمَّمة وتفعيلها.
الزاوية الثانية تقارب الوقف تشغيلياً عبر أطر مؤشرات أداء تغطي إدارة الأصول والحوكمة والكفاءة التشغيلية ومشاركة أصحاب المصلحة، بما يعزز المساءلة ويوائم الموارد مع أولويات المجتمع، (Battilana & Lee, 2014) والزاوية الثالثة توظّف نظرية أصحاب المصلحة عبر نموذج الأهمية النسبية لتحديد قدرة أصحاب المصلحة على التأثير في بناء محاسبة شاملة لاستدامة منفعة الوقف. (Ihsan et al., 2017) الدعوة المحدودة لمقارنة نماذج الحوكمة الوقفية عبر سياقات مختلفة وردت كتوصية بحثية غير منجزة، حين أوصت دراسة مرجعية باستكشاف نماذج حوكمة مقارنة لمؤسسات الوقف عبر مناطق مختلفة لتحديد أفضل الممارسات والأطر القابلة للتوسع. (Zakari, 2021)
2.3 حوكمة الصناديق السيادية: الانحراف كنتيجة لضعف Enforcement Capacity لا لغياب Purpose Lock فقط
الصناديق السيادية توفر حالة مقارنة دقيقة: الانحراف فيها لا ينبع من غياب غرض مُعلَن، بل من ضعف قدرة الإنفاذ المستقلة عن الفاعل السياسي. الأدلة تُظهر أن وجود سياسيين ضمن فرق الإدارة يرتبط باستثمار أعلى في الشركات المحلية والقطاعات الأعلى تسعيراً، بما يشير إلى سلوك مطاردة الاتجاه لا القيمة الجوهرية. PubMed Central هذا يتقاطع مع مستوى الحوافز الفردية، حيث يُحفَّز مديرو الاستثمار على تعظيم الأداء قصير الأجل تماشياً مع مدفوعات المكافآت، أو يُقاس أداؤهم مقابل مؤشر مرجعي كمؤشر S&P 500، مما يثني القرارات عن اعتماد أفق زمني طويل. United Nations
على المستوى البنيوي الأعلى، يُلاحَظ أن اتساع نطاق المهمات دون وضوح قانوني كافٍ يُضعف Enforcement Capacity مباشرة، إذ يمكن للمهمات الغامضة والمتداخلة أن تُضعف المساءلة وتثقل كاهل الأداء، بينما تتيح الحوكمة الضعيفة سوء التصرف بالأموال كما ظهر في إخفاقات بارزة لبعض الصناديق. International Monetary Fund الأدبيات المرجعية تصف هذا بوصفه تناقضاً بنيوياً متأصلاً، حيث يُفترض نظرياً أن الوظيفة الادخارية البينية-جيلية لهذه الصناديق تعزز التفكير طويل الأجل، إلا أنها قد تُدفع نحو مزيد من قصر الأجل استجابة للضغوط الشعبية ومطالب النخب المتنفذة والصدمات الخارجية غير المتوقعة. repec
2.4 صناديق الأوقاف الجامعية: Instrumental Adaptability عالية دون Purpose Lock مكافئ
صناديق الأوقاف الجامعية تحقق أداءً استثمارياً متفوقاً، إذ بلغ متوسط العائد السنوي لأكبر خمسين صندوق وقف جامعي 11.9% خلال عام واحد، ومتوسط 10.4% و8.7% لخمس وعشر سنوات على التوالي، مع الحفاظ على عائد قريب من 9% سنوياً على مدى خمسة عشر إلى عشرين عاماً PE 150 — وهو أداء لافت رغم أن هذه المؤسسات تحمل مهمة مزدوجة من الاستقرار والتأبيد في آن واحد. PE 150 لكن هذا التأبيد لا يرافقه Purpose Lock بصرامة الوقف؛ فالغرض التأسيسي محفوظ في وثيقة تأسيسية قابلة للتأويل الإداري الداخلي، وهو ما يُنتج مخاطرة بنيوية موثقة: حين تُدار الأموال إلى الأبد، فإن هناك مخاطرة مرتفعة بأن تنجرف تدريجياً نحو مشاريع لم يكن المتبرع الأصلي يؤمن بها. University of Washington
2.5 خلاصة الفجوة البحثية
الفجوة ليست في وجود الحقل، بل في التطبيق والتسمية: أدبيات الانحراف المؤسسي طورت أدوات تفسيرية عامة قوية (Purpose Rigidity، Enforcement، Adaptive Recalibration) دون اختبارها على الوقف كحالة تصميم قصوى، بينما طورت أدبيات حوكمة الوقف معرفة تراكمية عميقة دون ربطها بمفردات الانحراف المؤسسي العامة أو بمقارنة منهجية مع الصناديق السيادية وصناديق الأوقاف الجامعية على مستوى الآلية لا المؤسسة.
3. الإطار النظري
3.1 وحدة التحليل
آلية تثبيت الغرض عبر الزمن (Purpose-Fixation Mechanism) — لا نوع المؤسسة ولا ملكيتها ولا غايتها القانونية.
3.2 المكوّنات التحليلية الثلاثة
- Purpose Lock: درجة إغلاق الغرض التأسيسي أمام إعادة التعريف من قبل السلطة الإدارية الحالية.
- Enforcement Capacity: وجود جهة إنفاذ مستقلة عن الإدارة التنفيذية، وقدرتها الفعلية (لا الشكلية) على التدخل.
- Instrumental Adaptability: مدى مرونة وسائل تحقيق الغرض (الاستثمار، الاستبدال، إعادة الهيكلة التشغيلية) دون المساس بالغرض ذاته.
3.3 الطبقات النظرية الداعمة
- نظرية أصحاب المصلحة: تفسّر تعدد الجهات القادرة على تفعيل Enforcement Capacity.
- النظرية المؤسسية: تفسّر شرعية استمرار Purpose Lock عبر الزمن دون اعتماد كامل على إنفاذ مركزي واحد.
- نظرية القدرات الديناميكية: تفسّر كيف تتحقق Instrumental Adaptability دون خرق Purpose Lock.
- الطبقة الرابعة (BIS): التمييز بين Governance Architecture (التصميم النظري لهذه المكوّنات الثلاثة) وGovernance Realization (تفعيلها الفعلي في الممارسة) — وهو التمايز الذي يُترجم مباشرة إلى إطاري GRD وIDF، ويحوّل الفجوة بين التصميم والتنفيذ من ملاحظة عابرة إلى متغير تحليلي مركزي.
3.4 القضية المركزية (Core Proposition)
> Long-term institutional resilience does not necessarily require flexibility of purpose; it may instead arise from the combination of purpose rigidity and instrumental adaptability.
3.5 القضايا الفرعية (Propositions)
- P1: The resistance of perpetual institutions to mission drift increases when purpose rigidity is coupled with credible enforcement and adaptive implementation mechanisms — أي أن Purpose Lock وحده غير كافٍ؛ فعاليته مشروطة بـEnforcement Capacity.
- P2: يُنتج غياب مرجعية مساءلة خارج البنية الإدارية (كما في الصناديق السيادية) قابلية أعلى لتحويل Instrumental Adaptability إلى أداة لتفكيك Purpose Lock تدريجياً، عبر آلية شبيهة بما وُصف بأنه اتساع دلالي تدريجي يُفقد الغرض قدرته التمييزية. (Hacker, Pierson, & Thelen, 2015)
- P3: الفجوة بين Governance Architecture وGovernance Realization تتسع كلما اعتمدت المؤسسة على جهة إنفاذ واحدة غير مفعَّلة باستمرار، بصرف النظر عن صلابة النص التأسيسي.
4. المنهجية
4.1 التصميم البحثي
دراسة حالات متعددة مقارنة (نوعية-تفسيرية)، تُستخدم فيها حالتان وقفيتان مجهّلتا الهوية بالكامل لاختبار الآلية النظرية لا لتقييم أداء وقفين بعينهما.
4.2 معايير التجهيل الصارمة
لا تُذكر أسماء الواقفين أو النظار أو المستحقين، ولا مواقع العقارات، ولا أرقام القضايا أو الشكاوى، ولا المبالغ الدقيقة، ولا أي تركيبة وقائع قد تقود إلى تعرّف غير مباشر. تُرمَّز الحالتان كـ Waqf Case A وWaqf Case B، ويُستخرج منهما فقط النمط الوظيفي للحوكمة (نوع النزاع، طبيعة الاستجابة الرقابية، زمن الاستجابة)، لا الوقائع التفصيلية.
4.3 مصادر البيانات
- مصدر أولي: توثيق تفصيلي لسير النظارة، وقرارات جهة الإشراف، ومحاضر لجنة مخالفات متخصصة، في الحالتين المجهّلتين.
- مصدر ثانوي: تقارير حوكمة علنية مختارة لصناديق سيادية وصناديق أوقاف جامعية، بالاستناد إلى الأدبيات المستعرضة في القسم الثاني.
4.4 أداة الترميز المقارنة (محدَّثة بوحدة التحليل الجديدة)
| المكوّن | مؤشر الترميز |
|---|---|
| Purpose Lock | هل يملك أي فاعل إداري صلاحية نظامية لإعادة تعريف الغرض التأسيسي؟ |
| Enforcement Capacity | هل تدخّلت جهة الإنفاذ فعلياً عند الاختبار، وما زمن الاستجابة؟ |
| Instrumental Adaptability | هل عولجت الإشكاليات التشغيلية ضمن الإطار القائم دون المساس بالغرض؟ |
| فجوة Architecture–Realization | هل توجد فجوة موثقة بين التصميم النظري والتفعيل الفعلي؟ ما نوعها؟ |
4.5 القيود الأخلاقية
التجهيل الكامل يحدّ من إمكانية التحقق المستقل من التفاصيل، وهو قيد مقبول علمياً مقابل الالتزام بحماية خصوصية الأطراف وواجبات الباحث المهنية تجاه الملفات التي اطّلع عليها بصفته القضائية. الحالتان لا تُستخدمان كدليل نجاح للوقف، بل كأداة لاختبار الفجوة بين البنية المصمَّمة وتفعيلها — وهو ما يحصّن البحث من قراءته كدفاع عن مصلحة شخصية في نزاع قائم.
4.6 الإطار النظامي السعودي كمرجعية Governance Architecture علنية
تعتمد هذه الورقة، إلى جانب الحالتين الميدانيتين المجهّلتين، على مصدر أولي علني وموثَّق بالكامل: نظام الهيئة العامة للأوقاف ولائحة تنظيم أعمال النظارة الصادرة تنفيذاً له. يخدم هذا المصدر غرضاً منهجياً مختلفاً عن الحالتين الميدانيتين: بينما تُستخدم الحالتان لاختبار Governance Realization (هل تحقق التسلسل النظري فعلياً؟)، يُستخدم النص النظامي لتوثيق Governance Architecture ذاتها كما صُمِّمت رسمياً — وهو توثيق لا يحتاج تجهيلاً لأنه نص قانوني عام غير متعلق بأي نزاع خاص.
مطابقة المكوّنات النظرية بالنص النظامي:
Purpose Lock. يُقيَّد أي فاعل إداري — بما في ذلك الهيئة العامة للأوقاف نفسها، وهي أعلى جهة إشراف — عن تجاوز إرادة الواقف؛ إذ يُلزمها النظام بأن تقتصر مشورتها المالية والإدارية على ما لا يخالف شرط الواقف. كما أن تعريف النظارة نظاماً محصور بالتصرفات التي تحقق الغبطة والمصلحة للوقف وإيراده وفقاً لشرط الواقف حصراً — لا وفقاً لتقدير إداري مستقل عنه.
Enforcement Capacity. يمنح النظام جهة الإشراف صلاحيات إنفاذ متدرجة وحقيقية: الاطلاع على التقارير المحاسبية السنوية، تقديم الدعم الفني، طلب تغيير المراجع الخارجي، وصولاً إلى تحريك الدعوى أمام القضاء لعزل الناظر الذي يخفق في تحقيق أهداف الوقف أو يفقد شرطاً من شروط النظارة. الأهم منهجياً أن أسباب العزل محددة نظاماً بدقة تشمل صراحة مخالفة شرط الواقف في الصرف أو المصارف، وإجراء تصرفات صورية للتحايل على الأنظمة — وهو ما يوفر مؤشراً تشغيلياً واضحاً وقابلاً للترميز لاختبار P1 دون الحاجة لبيانات حساسة. كما تنص اللائحة على سلّم عقوبات متدرج (إنذار ← تعيين ناظر بديل من سجل النظار المعتمد)، وهو ما يُدخل بُعداً زمنياً مهماً: الإنفاذ في السياق السعودي مسار إداري-قضائي متدرج لا تدخلاً فورياً، وهذه دقة ضرورية لتفسير سبب استغراق استعادة Purpose Lock وقتاً في حالات النزاع الممتد، دون أن ينفي ذلك فعالية الآلية عند اكتمال المسار.
Instrumental Adaptability. يوفر النظام أداة محددة بالاسم لهذا المكوّن: المحفظة الاستثمارية الوقفية، وهي وعاء مالي لا شخصية اعتبارية مستقلة له، يُصرف وفق شرط الواقف واتفاقية الإدارة معاً — أي أن الأداة (تصميم المحفظة، سياسة الاستثمار) مرنة تماماً، بينما غاية الصرف مقيدة نظاماً بالشرط الأصلي. هذا يتسق على نحو مباشر مع التمييز النظري بين صلابة الغرض ومرونة الوسيلة.
استمرارية Governance Architecture عبر الأجيال. ينظم النظام آلية تعاقب النظارة بما يمنع فراغ الإنفاذ من التحول إلى ثغرة لإعادة تعريف الغرض: للواقف تسمية ناظره وخلَفه، وله إسناد صلاحية التسمية لذريته أو لغيرهم، وإن انقطعت السلسلة فللمستفيد وللهيئة استكمال إجراءات التنصيب بما لا يتعارض مع شرط الواقف — أي أن آلية سد الفراغ نفسها مقيدة بالغرض الأصلي، لا مُطلقة اليد فيه.
الأثر المنهجي لهذا القسم: يفصل بوضوح بين مصدرين مختلفي الطبيعة داخل التصميم البحثي — نص نظامي علني قابل للتحقق المستقل من أي قارئ أو محكِّم، وحالتان ميدانيتان مجهّلتان تختبران التطبيق الفعلي لهذا النص. هذا الفصل يقوّي مناعة الورقة أمام اعتراضين تحكيميين محتملين: الاعتماد المفرط على بيانات غير قابلة للتحقق، والخلط بين وصف النظام ووصف حالاته.
5. عرض الحالات والتحليل داخل كل حالة
5.1 Waqf Case A — نمط "النظارة متعددة الأجيال مع نزاع مستحقين"
الملاحظة المحورية: Purpose Lock صمد عبر أكثر من جيل رغم نزاع ممتد حول نطاق الاستحقاق؛ إذ ظل شرط الواقف هو المرجع الحاكم الوحيد لحسم النزاع، دون أن تتمكن أي جهة إدارية أو قضائية من إعادة تعريف الغرض أو نطاقه خارج نص الشرط. لكن هذا الصمود لم يكن تلقائياً: تحقق فقط عبر تفعيل فعلي لـEnforcement Capacity من قبل جهة الإشراف ولجنة المخالفات، لا من قوة النص وحدها. هذا يدعم P1 مباشرة: صلابة الشرط شرط ضروري غير كافٍ؛ الإنفاذ الفعلي هو المتغير الحاسم.
5.2 Waqf Case B — نمط "الإشكاليات الإدارية في الحسابات والتوزيعات"
الملاحظة المحورية: الإشكاليات هنا وقعت بالكامل ضمن طبقة Instrumental Adaptability (دقة الحسابات، آلية التوزيع)، ولم تمسّ Purpose Lock إطلاقاً. عولجت كأخطاء تنفيذية قابلة للتصحيح ضمن الإطار القائم، دون أن تفتح الباب لإعادة تفسير الغرض. هذا يفصل تحليليًا بين نوعين من الفشل المؤسسي كانا مدمجين خطأً في الصياغات المبكرة للأدبيات: فشل في التنفيذ (قابل للتصحيح، Case B)، وفشل في حماية الغرض (لم يحدث في أي من الحالتين، خلافاً لما توثقه أدبيات الانحراف في صناديق الأوقاف الجامعية).
6. التحليل المقارن عبر الحالات
| المكوّن | Waqf Cases A/B (تطبيق) | النظام السعودي (تصميم) | الصناديق السيادية | صناديق الأوقاف الجامعية |
|---|---|---|---|---|
| Purpose Lock | أظهر استمرارية في الحالتين محل التحليل عبر الاختبار الميداني | مُقيَّد نظاماً حتى على جهة الإشراف نفسها | ضعيف؛ قابل لإعادة التعريف السياسي | متوسط؛ قابل للتأويل الإداري التدريجي |
| Enforcement Capacity | بدت قابلة للتفعيل في حدود مادتي الحالتين، عبر مسار متدرج | مسار إداري-قضائي محدد الأسباب والعقوبات نظاماً | متغيرة، تضعف بتداخل الفاعل السياسي والرقابي | داخلية، استقلاليتها متفاوتة |
| Instrumental Adaptability | عالجت إشكاليات Case B دون مساس بالغرض | أداة مسمّاة نظاماً (المحفظة الاستثمارية الوقفية) | عالية، أحياناً قناة للانحراف | عالية، ومصدر موثق للانحراف التدريجي |
الاستنتاج المركزي: الفارق الحاسم بين النماذج الثلاثة ليس وجود آليات رقابة (فالثلاثة تملكها)، بل درجة استقلال Enforcement Capacity عن الجهة التي يُفترض أن تُراقبها. في الحالتين الوقفيتين المدروستين، كانت جهة الإنفاذ (الإشراف الرسمي) مستقلة عن النظارة ذاتها وبدت قابلة للتفعيل في حدود مادتي الحالتين الفعلي؛ بينما في الصناديق السيادية غالباً ما يكون الفاعل السياسي طرفاً في الإدارة والرقابة معاً.
7. المناقشة: نموذج Purpose-Locked Perpetuity
يمكن تلخيص الإسهام النظري لهذه الورقة في نموذج ثلاثي التسلسل:
Purpose Lock → Enforcement Capacity → Instrumental Adaptability
حيث لا تُنتج المرونة المؤسسية طويلة الأمد عن مرونة الغرض، بل عن اقتران غرض مغلق ببنية إنفاذ مستقلة فعّالة وأداة تنفيذية قابلة للتكيف. هذا النموذج قابل للتعميم خارج السياق الإسلامي وخارج الوقف تحديداً: أي مؤسسة (صندوق تقاعدي، مؤسسة خيرية، حتى نظام حوكمة لأنظمة الذكاء الاصطناعي طويلة الأمد ضمن IDF) يمكنها تبنّي هذا التسلسل الثلاثي كمبدأ تصميم، بصرف النظر عن الإطار القانوني أو الديني الذي نشأ فيه أصلاً.
الفارق الجوهري بين هذا النموذج والأدبيات المستعرضة في القسم الثاني هو أنه يُدخل Enforcement Capacity كمتغير وسيط صريح، بينما تميل أدبيات الانحراف المؤسسي العامة إلى معاملة صلابة الغرض والانحراف كعلاقة مباشرة دون هذا الوسيط — وهو ما تُظهر الحالتان الوقفيتان أنه تبسيط غير دقيق.
8. الخلاصة والتوصيات
الإجابة المكثفة عن الأسئلة البحثية:
- تمنع المؤسسات المؤبَّدة إعادة تعريف الغرض عبر إغلاقه بنيوياً (Purpose Lock)، لكن هذا الإغلاق يبقى نظرياً ما لم تُفعَّل جهة إنفاذ مستقلة فعلياً — وهذا هو الفارق بين Governance Architecture وGovernance Realization.
- الوقف، كحالة تصميم قصوى، يقدّم دليلاً تحليليًا (وإن محدود النطاق) على أن هذا التسلسل الثلاثي قابل للتحقق عملياً، لا نظرياً فقط.
توصيات للبحث التالي:
- بناء مؤشر مركب كمّي لقياس Enforcement Capacity الفعلية (لا الشكلية) عبر عينة أوسع من الأوقاف.
- اختبار النموذج الثلاثي على تصميم حوكمي تجريبي لصندوق ثروة سيادي افتراضي.
- تطوير هذا النموذج كإطار فرعي مستقل ضمن BIS (يمكن تسميته PLP — Purpose-Locked Perpetuity)، مع ربط صريح بمشروع Human–AI Constitutional Governance، إذ إن مشكلة "قفل الغرض مع مرونة الوسيلة" تتكرر بصيغة مختلفة في ضبط أهداف الأنظمة الذكية طويلة الأمد ضمن IDF.
9. حدود الدراسة
التجهيل الكامل للحالتين يحدّ من قابلية التحقق المستقل من التفاصيل. الاعتماد على حالتين فقط يحدّ من التعميم الإحصائي، وإن كان مقبولاً منهجياً في بناء النظرية النوعية لا اختبارها كمياً. يوصى باختبار النموذج مستقبلاً على عينة أوسع من الأوقاف عبر ولايات قضائية متعددة، وعلى عينة موازية من الصناديق السيادية بمستويات استقلالية متفاوتة عن السلطة السياسية.
10. المراجع
التغير والانحراف المؤسسي
- Battilana, J., & Lee, M. (2014). Advancing research on hybrid organizing: Insights from the study of social enterprises. Academy of Management Annals, 8(1), 397–441. https://doi.org/10.1080/19416520.2014.893615
- Ebrahim, A., Battilana, J., & Mair, J. (2014). The governance of social enterprises: Mission drift and accountability challenges in hybrid organizations. Research in Organizational Behavior, 34, 81–100. https://doi.org/10.1016/j.riob.2014.09.001
- Hacker, J. S. (2004). Privatizing risk without privatizing the welfare state. American Political Science Review, 98(2), 243–260. https://doi.org/10.1017/S0003055404001121
- Mahoney, J., & Thelen, K. (Eds.). (2010). Explaining institutional change: Ambiguity, agency, and power. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511806414
- Pierson, P. (2000). Increasing returns, path dependence, and the study of politics. American Political Science Review, 94(2), 251–267. https://doi.org/10.2307/2586011
- Thelen, K. (2004). How institutions evolve. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511790997
الحوكمة والوقف
- Abdel Mohsin, M. I. (2025). Between executor and supervisor: Revisiting the roles of mutawalli and nazir in waqf governance. International Journal of Management and Applied Research, 12(2), 169–179. https://doi.org/10.18646/2056.122.25-010
- Bovens, M. (2007). Analysing and assessing accountability: A conceptual framework. European Law Journal, 13(4), 447–468. https://doi.org/10.1111/j.1468-0386.2007.00378.x
- Ihsan, H., & Ibrahim, S. H. M. (2011). Waqf accounting and management in Indonesian waqf institutions. Humanomics, 27(4), 252–269. https://doi.org/10.1108/08288661111181305
- Zakari, M. A. (2021). A systematic literature review on the socio-economic roles of waqf. Journal of Islamic Accounting and Business Research, 13(1), 177–193. https://doi.org/10.1108/JIABR-01-2021-0028
الصناديق السيادية والأوقاف الجامعية
- Al-Hassan, A., Papaioannou, M. G., Skancke, M., & Sung, C. C. (2013). Sovereign wealth funds: Aspects of governance structures and investment management (IMF Working Paper 13/231). https://doi.org/10.5089/9781475518610.001
- Clark, G. L., & Knight, E. R. W. (2011). Temptation and the virtues of long-term commitment. Asian Journal of International Law, 1(2), 321–348. https://doi.org/10.1017/S204425131000007X
- International Working Group of Sovereign Wealth Funds. (2008). Santiago Principles. International Monetary Fund.
- Brown, J. R., Dimmock, S. G., Kang, J.-K., & Weisbenner, S. (2014). How university endowments respond to financial market shocks. American Economic Review, 104(3), 931–962. https://doi.org/10.1257/aer.104.3.931
- Gilbert, T., & Hrdlicka, C. (2015). Why are university endowments large and risky? Review of Financial Studies, 28(9), 2643–2686. https://doi.org/10.1093/rfs/hhv032
- Hansmann, H. (1990). Why do universities have endowments? Journal of Legal Studies, 19(1), 3–42. https://doi.org/10.1086/467141
الأنظمة واللوائح السعودية
- المملكة العربية السعودية. (1437هـ). نظام الهيئة العامة للأوقاف، المرسوم الملكي رقم (م/11) وتاريخ 26/2/1437هـ.
- الهيئة العامة للأوقاف. (1443هـ). لائحة تنظيم أعمال النظارة، قرار مجلس الإدارة رقم (31/1/18/43) وتاريخ 30/5/1443هـ.
- الهيئة العامة للأوقاف. (2024). جدول المخالفات والجزاءات للائحة تنظيم أعمال النظارة.

تعليقات
إرسال تعليق