الشفافية في الأوقاف السعودية: الإطار التنظيمي، الممارسات، والتحديات

الشفافية في الأوقاف السعودية: الإطار التنظيمي، الممارسات، والتحديات

د. محمد عيدروس باروم
الملخص

تُعدّ الشفافية ركيزةً جوهريةً في حوكمة الأوقاف، إذ تُسهم في حماية أصولها واستدامتها، وتعزيز الالتزام بشروط الواقفين. يهدف هذا المقال إلى تحليل واقع الشفافية في القطاع الوقفي السعودي من خلال استعراض الإطار التنظيمي والتشريعي، ودراسة الممارسات التطبيقية في مجالات الإفصاح المالي، والرقابة، والحوكمة. ويعتمد المقال على منهج وصفي تحليلي يستند إلى مراجعة الأدبيات الأكاديمية والوثائق الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للأوقاف. وقد خلص المقال إلى أنّ تطور الشفافية الوقفية في المملكة لم يعد مرتبطاً أساساً بغياب الأدوات التنظيمية، بقدر ما يرتبط بمدى تحول متطلبات الإفصاح والرقابة إلى معلومات منتظمة وقابلة للتحقق وميسرة لأصحاب المصلحة بحسب حقوقهم واحتياجاتهم. وتكشف الدراسة عن وجود فجوة بين الشفافية التنظيمية، المتمثلة في تقديم المعلومات للجهات الرقابية، والشفافية الاستحقاقية التي تمكّن الواقفين والمستحقين وأصحاب المصلحة من فهم وضع الوقف وأصوله وغلاته وأدائه ومدى الالتزام بشرط الواقف. ويوصي المقال بدراسة تطوير إطار أو معيار سعودي أكثر تخصصاً للتقرير المالي الوقفي، وتعزيز استخدام التقنيات الرقمية لتحسين الشفافية.

الكلمات المفتاحية: الشفافية، الأوقاف، الحوكمة، الإفصاح المحاسبي، الهيئة العامة للأوقاف، المملكة العربية السعودية، المستفيد الحقيقي.

1. مقدمة

يشكّل الوقف في الإسلام مؤسسةً ماليةً واجتماعيةً ذات أبعاد تنموية متعددة، إذ يُسهم في تحقيق التكافل الاجتماعي وتمويل المشروعات الخيرية والتنموية. وقد أولت المملكة العربية السعودية، في إطار رؤية 2030، اهتماماً متزايداً بتطوير القطاع الوقفي وتعزيز دوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية (الهيئة العامة للأوقاف، 2024أ).

غير أنّ فاعلية هذا القطاع واستدامته تتوقفان بدرجة كبيرة على مدى توفّر الشفافية في إدارته، إذ تُعدّ الشفافية أحد المقومات الأساسية لحماية أصول الوقف، وبناء ثقة أصحاب المصلحة، وتعزيز الالتزام بشروط الواقفين. وقد أدركت الهيئة العامة للأوقاف، بوصفها الجهة المنظّمة للقطاع، هذه الأهمية، فعملت على تطوير أطر تنظيمية وممارسات رقابية تهدف إلى رفع مستوى الشفافية والحوكمة.

1.1 مستويات الشفافية الوقفية

لا ينبغي النظر إلى الشفافية الوقفية باعتبارها التزاماً واحداً بالإفصاح، بل باعتبارها منظومةً متعددة المستويات. فهناك شفافية تنظيمية بين الناظر والجهة الرقابية، وشفافية استحقاقية بين إدارة الوقف والواقفين والمستحقين، وشفافية مجتمعية تتعلق بالإفصاح عن الأثر والأداء العام. وقد يتحقق أحد هذه المستويات دون الآخر؛ فقد يكون الوقف ممتثلاً في تقديم بياناته للجهة الرقابية، في حين لا تتوافر لأصحاب المصلحة معلومات كافية وفي الوقت المناسب لتقييم إدارة الوقف أو استحقاقاتهم.

ويستخدم المقال مصطلح “الشفافية الاستحقاقية” إجرائياً للدلالة على مستوى الإفصاح الذي يمكّن أصحاب الحقوق والمصالح المرتبطة مباشرة بالوقف، ولا سيما الواقفين والمستحقين، من الحصول على المعلومات اللازمة لفهم أصول الوقف وغلاته واستحقاقاتهم ومدى الالتزام بشرط الواقف.

ومن ثم فإنّ قياس الشفافية لا ينبغي أن يقتصر على وجود التقارير، وإنما يمتد إلى نطاق المعلومات، وإتاحتها، وتوقيتها، وقابليتها للفهم والتحقق. ويُعدّ هذا التمييز بين مستويات الشفافية المدخل التحليلي الأساسي لهذا المقال، إذ يساعد على تفسير الفجوة بين الامتثال التنظيمي والشفافية الفعلية.

ويركز التحليل في هذا المقال بصورة رئيسية على العلاقة بين الشفافية التنظيمية والشفافية الاستحقاقية؛ لارتباطهما المباشر بالرقابة على إدارة الوقف وحماية حقوق الأطراف المرتبطة به، مع تناول الشفافية المجتمعية في سياق الإفصاح عن الأداء والأثر.

2. الإطار التنظيمي للشفافية في الأوقاف السعودية

2.1 النظام والتشريعات الأساسية

صدر نظام الهيئة العامة للأوقاف بموجب المرسوم الملكي رقم (م/11) وتاريخ 1437/02/26هـ، وتُعدّ الهيئة بموجبه هيئةً عامةً ذات شخصية اعتبارية مستقلة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وترتبط مباشرةً برئيس مجلس الوزراء (نظام الهيئة العامة للأوقاف، 1437هـ، المادة الثانية). وتهدف الهيئة إلى تنظيم الأوقاف، والمحافظة عليها، وتطويرها، وتنميتها؛ بما يحقق شروط الواقفين، ويعزز دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتكافل الاجتماعي (نظام الهيئة العامة للأوقاف، 1437هـ، المادة الثالثة). كما تشرف الهيئة على جميع الأوقاف العامة والخاصة (الأهلية) والمشتركة، وعلى أعمال النظار الذين يعينهم الواقفون في حدود ما تقضي به الأنظمة (نظام الهيئة العامة للأوقاف، 1437هـ، المادة الرابعة).

وعلى الرغم من تطور البيئة التنظيمية من خلال نظام الهيئة العامة للأوقاف واللوائح والقرارات المنظمة لأعمال النظارة والرقابة، فإنّ نظاماً موحداً وشاملاً للأوقاف لم يدخل حيز النفاذ حتى تاريخ إعداد هذه الدراسة، ولا يزال مشروع نظام الأوقاف وما يرتبط به من لوائح تنفيذية ضمن مسار التطوير التشريعي للقطاع. غير أنّ البيئة التنظيمية شهدت تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، إذ أصدرت الهيئة لائحة إنشاء الأوقاف أو تمويلها من خلال جمع التبرعات بموجب قرار مجلس إدارتها رقم (6/1/47/ت) وتاريخ 23/03/1447هـ، ونُشرت اللائحة في أكتوبر 2025م (الهيئة العامة للأوقاف، 2025أ). وتُعدّ هذه اللائحة إطاراً تنظيمياً يعزز الشفافية والحوكمة في إدارة عمليات جمع التبرعات المخصصة للأوقاف، سواء لإنشاء أوقاف جديدة أو لدعم وتنمية الأوقاف القائمة. وقد اشترطت اللائحة فتح حساب بنكي مخصص لكل عملية جمع تبرعات لضمان الشفافية المالية، إلى جانب توثيق جميع العمليات ذات الصلة، وتقديم تقارير دورية للهيئة.

كما اعتمدت الهيئة لائحة المنتجات الاستثمارية الوقفية بموجب قرار مجلس إدارتها رقم (21/1/47/ت) وتاريخ 26/11/1447هـ، ونُشرت في 12 يونيو 2026، والتي تهدف إلى تنظيم الأحكام الوقفية في المنتجات الاستثمارية الوقفية ودمج القطاع الوقفي في التنمية الاقتصادية وفقاً لمستهدفات رؤية المملكة 2030 (الهيئة العامة للأوقاف، 2026).

2.2 معايير المستفيد الحقيقي

في إطار تعزيز الشفافية ومنع استغلال الأوقاف في جرائم غسل الأموال أو تمويل الإرهاب، أصدرت الهيئة معايير المستفيد الحقيقي من الأوقاف في 29 ديسمبر 2025، بموجب قرار مجلس إدارتها رقم (14/1/47/ت)، وذلك في إطار جهودها المستمرة لتعزيز الحوكمة والشفافية والارتقاء بمنظومة الأوقاف في المملكة (الهيئة العامة للأوقاف، 2025ب).

وتهدف هذه المعايير إلى رفع مستوى الشفافية في الأوقاف، وإرشاد النظار إلى ممارسات التعرف على المستفيد الحقيقي للوقف، إضافة إلى تحقيق الامتثال للمتطلبات الدولية والمحلية، ومنع استغلال الأوقاف في جرائم غسل الأموال أو تمويل الإرهاب، وتوفير معلومات كافية ودقيقة في الوقت المناسب عن المستفيد الحقيقي والمستفيد من الأوقاف. وتحدد المعايير نطاق التطبيق، ووصف المستفيد الحقيقي، والحد الأدنى من البيانات الواجب توفرها، وآليات التحقق والتحديث، وأطر الإفصاح وتبادل المعلومات مع الجهات المختصة، إلى جانب الأحكام الإضافية والعقوبات المقررة عند المخالفة (الهيئة العامة للأوقاف، 2025ب). وتتسق هذه المعايير مع توصية مجموعة العمل المالي (FATF) رقم (25) المتعلقة بالمستفيد الحقيقي والشفافية في الترتيبات القانونية، وقد أصدرت المجموعة في مارس 2024 إرشادات محدثة قائمة على المخاطر لدعم تنفيذ متطلبات هذه التوصية (FATF, 2024).

3. الحوكمة والشفافية: العلاقة التبادلية

تشير الأدبيات الأكاديمية إلى وجود علاقة ارتباطية قوية بين مبادئ الحوكمة والشفافية في المؤسسات الوقفية. فقد أظهرت دراسة ميدانية أُجريت على القطاع الوقفي السعودي، شملت 108 من المهنيين في مستويات إدارية مختلفة، أنّ مبادئ الحوكمة الأربعة — الشفافية والرقابة والمساءلة والالتزام — لها تأثير إيجابي، وإن بدرجات متفاوتة، على الهيكل التنظيمي للمؤسسات الوقفية (Bashir et al., 2026).

وقد أوصت هذه الدراسة بضرورة أن تُنشئ المملكة إطاراً تنظيمياً للأوقاف يعمل كمحفّز لمبادرات الإشراف على المؤسسات الوقفية وتعزيز المساءلة والشفافية في القطاع (Bashir et al., 2026). وتكتسب هذه التوصية أهميتها من كونها تشير إلى أنّ الشفافية ليست مجرد متطلب تنظيمي خارجي، بل هي عنصر تكاملي مع البنية التنظيمية الداخلية للمؤسسة الوقفية.

وفي السياق ذاته، تسعى الهيئة العامة للأوقاف إلى تطوير إطار حوكمة شامل يضمن تحديث الأنظمة لتكون أكثر مرونة وملاءمة للاحتياجات الحالية والمستقبلية، ويرفع مستوى الحوكمة ويطوّر متطلبات الإفصاح ويسهّل تدفق المعلومات المهمة لجميع أصحاب المصلحة بالوقف (الهيئة العامة للأوقاف، 2024أ). وعلى المستوى المؤسسي الداخلي، طوّرت الهيئة منذ مراحل تأسيسها منظومةً من اللوائح والسياسات الداخلية شملت الحوكمة، ومصفوفة الصلاحيات، وتفويض الصلاحيات، والرقابة والمراجعة الداخلية وغيرها، بما يعكس تبني الهيئة ذاتها لأدوات الحوكمة التي تسعى إلى تعزيزها في القطاع (الهيئة العامة للأوقاف، 2024أ).

4. الإفصاح المحاسبي وأصحاب المصلحة

4.1 التحديات القائمة

يمثل الإفصاح المحاسبي أحد أهم آليات تعزيز الشفافية في المؤسسات الوقفية، إذ يُتيح لأصحاب المصلحة — من واقفين ونظار ومستفيدين وجهات رقابية — تقييم الأداء المالي للوقف واتخاذ قرارات مستنيرة. غير أنّ الدراسة الميدانية التي أُجريت على المؤسسات الوقفية في المملكة كشفت أنّ المعلومات التي تقدّمها القوائم المالية للمؤسسات الوقفية، بشقيها العرض والإفصاح، غير كافية لأصحاب المصلحة ولا تلبي العديد من احتياجاتهم المعلوماتية (Al-Dabboos et al., 2025).

ويرتبط أحد أبعاد هذه المشكلة بعدم وجود معيار سعودي مستقل ومتكامل مخصص حصراً للتقرير المالي للمؤسسات الوقفية، رغم أن المعايير المحاسبية السعودية للمنشآت غير الهادفة للربح تتضمن معالجات وإفصاحات ذات صلة بأصول الأوقاف وغلتها، مثل متطلبات الإفصاح عن صافي أصول الأوقاف كفئة منفصلة عن الأصول المقيدة وغير المقيدة، وكذلك متطلبات “الإفصاح الإضافي المرتبط بالأوقاف” التي أضافتها التعديلات الصادرة في نوفمبر 2023 (الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين، 2023). وبما أنّ الوقف يمتلك خصوصية شرعية وقانونية تميّزه عن غيره من المنشآت غير الربحية — من حيث ارتباطه بشروط الواقف ومقاصد الشريعة — فإنّ الاعتماد على إطار عام للمنشآت غير الهادفة للربح قد لا يغطي بالقدر الكافي جميع الخصائص المحاسبية والإفصاحية المتصلة بالوقف، ولا سيما ما يتعلق بالغلة، وشروط الواقف، والمصارف، والاستحقاقات، والعلاقة بين أصل الوقف وإيراداته.

4.2 نحو إطار محاسبي أكثر تخصصًا للتقرير المالي الوقفي

تشير الأدبيات الأكاديمية إلى أهمية تطوير إطار محاسبي أكثر تخصصاً للعرض والإفصاح في المؤسسات الوقفية. وقد أصدرت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي) معيار المحاسبة المالية رقم (37) بشأن “التقرير المالي للمؤسسات الوقفية”، الذي يهدف إلى وضع مبادئ التقرير المالي للمؤسسات الوقفية التي تؤسّس وتزاول عملياتها وفقاً لمبادئ الشريعة وأحكامها (أيوفي، 2020). وقد صدرت النسخة الإنجليزية من هذا المعيار في 15 ديسمبر 2020، ثم صدرت النسخة العربية لاحقاً، ويُطبق على جميع أنواع المؤسسات الوقفية والمؤسسات الأخرى التي تؤسّس وفقاً لمفهوم الوقف، بغض النظر عن وضعها القانوني. ويمثل هذا المعيار إطاراً مرجعياً يمكن للمملكة الاستفادة منه في تطوير متطلبات الإفصاح الخاصة بالقطاع الوقفي.

وقد خلصت دراسة ميدانية إلى أنّ أصحاب المصلحة في المؤسسات الوقفية السعودية يحتاجون إلى مجموعة إضافية من المعلومات تتجاوز ما هو مُفصح عنه حالياً، تشمل معلومات عن أداء الوقف الاجتماعي، ومدى الالتزام بشروط الواقفين، وتفاصيل عن أصول الوقف واستثماراتها (Al-Dabboos et al., 2025). ويؤكد هذا التوجه على أنّ الشفافية في الأوقاف لا تقتصر على الإفصاح المالي بالمعنى الضيق، بل تمتد لتشمل الإفصاح عن الأداء الاجتماعي والتنموي للوقف، بما يعكس جوهر رسالته الوقفية.

5. الرقابة والامتثال

5.1 الرقابة الشرعية والإدارية

تُعدّ الرقابة الشرعية ركيزةً أساسيةً لضمان توافق أعمال الوقف مع أحكام الشريعة الإسلامية وشروط الواقفين. وقد أنشأت الهيئة العامة للأوقاف لجنةً شرعيةً تُعنى ببيان الحكم الشرعي في المسائل المتعلقة بالأوقاف الداخلة تحت نظارتها، وإعداد الدراسات والبحوث الشرعية في مجال الأوقاف (الهيئة العامة للأوقاف، 2024أ).

وتكمّل الرقابة الإدارية والمالية الرقابة الشرعية، إذ تجري الهيئة العامة للأوقاف عمليات رقابية دورية على الأوقاف تشمل زيارات إشرافية تهدف إلى تقييم الممارسات، وتعزيز الامتثال للأنظمة، ومعالجة الملاحظات، والحماية من الاستغلال غير المشروع. وقد أسهمت هذه الجهود في حماية أصول وقفية تقدّر بنحو 100 مليار ريال، وبناء خطط تصحيحية لاسترداد مبالغ لصالح الأوقاف بنحو 1.5 مليار ريال (الهيئة العامة للأوقاف، 2024ب).

100 مليار ريال
حماية أصول وقفية تقدّر بنحو هذا المبلغ.
1.5 مليار ريال
خطط تصحيحية لاسترداد مبالغ لصالح الأوقاف بنحو هذا المبلغ.

وتعزز الهيئة هذا المسار رقمياً من خلال خدمة تقديم البيانات والقوائم المالية، التي تتيح للنظار رفع التقارير والقوائم المالية للوقف عبر القنوات الرسمية، بهدف متابعة الالتزام بمتطلبات الإدارة المالية في لائحة تنظيم أعمال النظارة وتعزيز مستويات الشفافية والحوكمة. ويتم تقديم البيانات بشكل سنوي أو خلال فترة زمنية لا تتجاوز خمسة عشر يوم عمل من تاريخ حدوث أي تغير جوهري على أصل الوقف أو المستفيدين (الهيئة العامة للأوقاف، د.ت.ب). كما يرتبط بذلك نموذج “مُبين” للإفصاح عن بيانات الوقف، بما يتيح للهيئة متابعة مدى التزام الناظر بالمتطلبات التنظيمية ذات الصلة (الهيئة العامة للأوقاف، د.ت.أ).

5.2 مخالفات النظار ومعالجتها

كشفت عمليات الفحص والتدقيق عن مجموعة من المخالفات المرتكبة من بعض النظار أو من يتولون إدارة الأوقاف، شملت خلط أموال الوقف بالأموال الشخصية، وعدم فتح حسابات بنكية باسم الوقف، ومخالفة شروط الواقف في صرف ريع الأصول الموقوفة، وعدم إعداد التقارير والبيانات المالية، وعدم إعطاء مستحقي الوقف استحقاقاتهم من ريع الوقف، والاستيلاء على أموال الوقف، إضافة إلى مخالفات أخرى تتعلق بتسجيل الوقف وأصوله لدى الهيئة. وقد أصدرت الهيئة قرارات إدارية في حق المخالفين وفق اللوائح والأنظمة المعمول بها (الهيئة العامة للأوقاف، 2024ب).

وقد عزّزت لائحة تنظيم أعمال النظارة، الصادرة بموجب القرار الإداري رقم (31/1/18/43) وتاريخ 30/5/1443هـ (2022)، مبادئ الشفافية والرقابة على أعمال النظارة، بما يساعد في حماية الأوقاف واستدامتها وتعزيز دورها التنموي وتقليل فرص النزاع بين الأطراف ذوي العلاقة بالوقف. وتهدف اللائحة إلى حماية أصول الأوقاف وتنميتها واستدامتها، وضمان تنفيذ شروط الواقفين، وتعزيز مبادئ الشفافية والإفصاح وترشيد الحوكمة، وتحسين الأداء (الهيئة العامة للأوقاف، 2022). كما أُلزم النظار بالإفصاح عن بيانات المستفيدين للمؤسسات المالية والجهات المختصة عند الحاجة، مع ضرورة إبلاغ تلك الجهات بصفتهم الرسمية كنظار عند إجراء أي تعاملات باسم الوقف.

6. الشفافية الرقمية: الأدوات والتقنيات

6.1 الإعلام الرقمي وتعزيز المشاركة المجتمعية

أظهرت دراسة تطبيقية حول دور الإعلام الرقمي في تعزيز حوكمة الأوقاف، اعتمدت على تحليل مضمون المحتوى الرقمي لثماني مؤسسات وقفية سعودية على منصة (X) خلال خمسة أشهر، أنّ المنصة ساهمت بشكل فعّال في تعزيز الشفافية والمشاركة المجتمعية (الشيخ، 2025). وقد تركّز استخدام المؤسسات الوقفية للمنصة على الحملات التوعوية والأنشطة المستدامة، مع اعتمادها على محتوى تفاعلي متنوع يجمع بين النصوص والرسوم التوضيحية، مما أسهم في دعم آليات الحوكمة الداخلية والخارجية للمؤسسات الوقفية (الشيخ، 2025).

غير أنّ الدراسة أبرزت في المقابل تحديات مرتبطة بقياس الأثر الفعلي لهذه المنصات، مما يستدعي تطوير استراتيجيات رقمية أكثر منهجية (الشيخ، 2025). ويُشير ذلك إلى أنّ الشفافية الرقمية، رغم أهميتها المتزايدة، لا يمكن أن تُغني عن آليات الشفافية المؤسسية التقليدية من تقارير مالية مدققة ورقابة داخلية فعّالة.

6.2 الشهادة الوقفية الرقمية

شهد القطاع الوقفي السعودي تطوراً نوعياً في مجال الرقمنة، إذ أُعلن في فبراير 2026 عن إطلاق الشهادة الوقفية الرقمية المعتمدة من الهيئة العامة للأوقاف لصندوق “جود الوقفي”، والتي تُعدّ الأولى من نوعها في مجال الإسكان التنموي (وكالة الأنباء السعودية، 2026). وتصدر هذه الشهادة فور المساهمة في الصندوق، بما يعكس التكامل بين العمل الوقفي والتحول الرقمي، ويعزّز موثوقية الأوقاف واستدامة أثرها، ويسهّل إجراءات الوقف، ويوثق مساهمة الواقف، ويرتبط بنموذج وقفي تُوجّه عوائده الاستثمارية لدعم توفير المساكن للأسر المستحقة بصورة مستدامة.

ويمثّل هذا التطور انتقالاً في الرقمنة الوقفية من مجرد تقديم الخدمات الإلكترونية إلى بناء أدوات رقمية للتوثيق وإثبات الصفة الوقفية، وهو ما يعزز الشفافية أمام الواقفين والمستفيدين على حد سواء.

6.3 تقنية البلوكتشين وتطبيقاتها الوقفية

تُطرح تقنية البلوكتشين كأحد الحلول التقنية الواعدة لتعزيز الشفافية في إدارة الأوقاف. فقد أظهرت دراسات متعددة أنّ هذه التقنية، بما توفره من سجلات موزعة عالية المقاومة للتعديل غير المصرح به، يمكن أن تُحسّن شفافية وتتبّع المعاملات الخيرية، وتحلّ مشكلات قائمة مثل سوء الإدارة وانخفاض الثقة بين الأطراف المعنية. كما يمكن للعقود الذكية أن تسهم في أتمتة تنفيذ بعض الضوابط المرتبطة بشروط الواقفين، متى أمكن تحويل تلك الشروط إلى قواعد قابلة للبرمجة، وأن تعزز إمكانية تتبع التدفقات المالية في المؤسسات الوقفية (Aladwani, 2025).

غير أنّ الأدلة السعودية المتاحة تدعم أن توظيف البلوكتشين المؤسسي في البيئة الوقفية السعودية لا يزال أقرب إلى المجال التطويري والاستشرافي منه إلى الممارسة القطاعية الواسعة، إذ تشير الأدبيات إلى أن التقنية لا تزال موضع دراسة وتطوير، مع وجود تحديات قانونية وشرعية مرتبطة بتطبيقها. ويحتاج تعميم هذه التقنية إلى إطار تنظيمي واضح يحدد معايير استخدامها وضمانات حماية البيانات.

7. التحديات التي تواجه تعزيز الشفافية

رغم الجهود المبذولة، لا تزال الشفافية في القطاع الوقفي السعودي تواجه جملةً من التحديات التي يمكن تصنيفها في ثلاثة محاور رئيسية:

أولاً: التحديات التشريعية والتنظيمية. يتمثل أبرز هذه التحديات في عدم وجود نظام شامل ونافذ خاص بالأوقاف ينظم جميع جوانب الإشراف والرقابة والحوكمة، وهو ما تعمل الهيئة على معالجته من خلال مشروع نظام الأوقاف. كما أنّ عدم وجود معيار محاسبي سعودي مستقل ومتكامل مخصص حصراً للتقرير المالي للمؤسسات الوقفية قد يحدّ من القدرة على استيعاب بعض الخصائص المعلوماتية الخاصة بالأوقاف ضمن متطلبات العرض والإفصاح الحالية.

ثانياً: التحديات المؤسسية والممارساتية. أظهرت الدراسة الميدانية التي أُجريت على المؤسسات الوقفية السعودية أنّ المعلومات التي تقدّمها القوائم المالية للمؤسسات الوقفية بشقيها، العرض والإفصاح، غير كافية لأصحاب المصلحة ولا تلبي العديد من احتياجاتهم المعلوماتية (Al-Dabboos et al., 2025). كما كشفت عمليات الفحص والتدقيق عن ممارسات سلبية قائمة في بعض الحالات، من أبرزها خلط أموال الوقف بالأموال الشخصية، وعدم فتح حسابات بنكية باسم الوقف، وعدم إعداد التقارير والبيانات المالية (الهيئة العامة للأوقاف، 2024ب). وتشير هذه الممارسات إلى أن الفجوة التطبيقية لا ترتبط بوجود المتطلبات التنظيمية فحسب، وإنما بمدى قدرة المؤسسات الوقفية على تحويلها إلى ممارسات تشغيلية ورقابية منتظمة.

ثالثاً: تحديات الوعي والقدرات. يحتاج تعزيز الشفافية إلى وعي مؤسسي بأهميتها من جهة، وإلى قدرات بشرية وتقنية كافية لتنفيذها من جهة أخرى. ويتطلب ذلك برامج تدريبية متخصصة للنظار والعاملين في القطاع الوقفي، وتطوير أدوات رقمية تسهّل عمليات الإفصاح وتتبع الأداء.

ومن ثم، يمكن القول إن التحدي الأكثر دقة في المرحلة الراهنة لا يتمثل فقط في حجم الإفصاح، وإنما في مدى التطابق بين نطاق الإفصاح التنظيمي ونطاق المعلومات التي يحتاجها أصحاب الحقوق والمصالح لممارسة المساءلة الفعلية. فقد يتحقق الامتثال النظامي بتقديم البيانات المطلوبة للجهة الرقابية، بينما تبقى فجوة معلوماتية لدى المستحق أو الواقف بشأن الأصول والغلات والمصارف والأداء. وهذه الفجوة هي التي تميز بين الإفصاح بوصفه إجراءً تنظيمياً والشفافية بوصفها حالة مؤسسية قابلة للمساءلة.

8. خاتمة وتوصيات

خلص هذا المقال إلى أنّ الشفافية في الأوقاف السعودية شهدت تحولاً ملحوظاً في الإطار التنظيمي خلال السنوات الأخيرة، تجسّد في إصدار معايير المستفيد الحقيقي، وتطوير لوائح الحوكمة والنظارة، وتعزيز آليات الرقابة والإفصاح. غير أنّ تطور الشفافية الوقفية في المملكة لم يعد مرتبطاً أساساً بغياب الأدوات التنظيمية، بقدر ما يرتبط بمدى تحول متطلبات الإفصاح والرقابة إلى معلومات منتظمة وقابلة للتحقق وميسرة لأصحاب المصلحة بحسب حقوقهم واحتياجاتهم.

وتكشف الدراسة عن وجود فجوة بين الشفافية التنظيمية، المتمثلة في تقديم المعلومات للجهات الرقابية، والشفافية الاستحقاقية التي تمكّن الواقفين والمستحقين وأصحاب المصلحة من فهم وضع الوقف وأصوله وغلاته وأدائه ومدى الالتزام بشرط الواقف.

سلسلة الشفافية الوقفية المؤسسية
الأصل الوقفي ← البيانات ← الإفصاح ← التحقق ← الوصول ← المساءلة ← التصحيح ← الثقة والاستدامة

ويمكن تصور هذه الفجوة من خلال سلسلة الشفافية الوقفية المؤسسية: الأصل الوقفي ← البيانات ← الإفصاح ← التحقق ← الوصول ← المساءلة ← التصحيح ← الثقة والاستدامة. فالخلل في أي حلقة يضعف قيمة الشفافية كلها؛ فإذا كانت البيانات ناقصة، ضعف الإفصاح؛ وإذا كان الإفصاح موجوداً لكن غير متاح، لم تتحقق الشفافية؛ وإذا كان متاحاً لكن غير قابل للتحقق، ضعفت المساءلة؛ وإذا وُجدت المساءلة دون إجراء تصحيحي، أصبحت الشفافية شكلية. ومن ثم فإنّ الامتثال بالإفصاح لا يعني بالضرورة تحقق الشفافية الفعلية.

وفي ضوء ما سبق، يوصي المقال بما يلي:

أولاً: دراسة تطوير إطار أو معيار سعودي أكثر تخصصاً للتقرير المالي الوقفي، مستنداً إلى معيار أيوفي رقم (37) ومراعياً الخصوصية الشرعية والقانونية للوقف في المملكة، أو توسيع المتطلبات الحالية لتشمل خصوصية شرط الواقف، وأصل الوقف، والغلة، والمصارف، والاستحقاقات، والاستثمارات، والأداء الاجتماعي.
ثانياً: تعزيز الرقابة الشرعية المؤسسية من خلال إنشاء لجان شرعية في المؤسسات الوقفية الكبرى، تتولى مراجعة مدى توافق الأعمال مع شروط الواقفين وأحكام الشريعة.
ثالثاً: الاستفادة من التقنيات الرقمية، بما في ذلك الشهادات الوقفية الرقمية والبلوكتشين، لتتبع أصول الوقف وتدفقاته المالية وتعزيز الشفافية، مع تطوير البيئة التنظيمية اللازمة لتطبيقها.
رابعاً: إطلاق برامج تدريبية متخصصة للنظار والعاملين في القطاع الوقفي حول مبادئ الحوكمة والإفصاح والشفافية.
خامساً: تطوير أطر الإفصاح الموجهة لأصحاب المصلحة بحسب صفتهم وحقوقهم، ولا سيما الواقفين والمستحقين والنظار والجهات الرقابية، بما يضمن إتاحة المعلومات ذات الصلة في الوقت المناسب وبدرجة مناسبة من التفصيل، مع توفير آليات واضحة للاستفسار والتظلم والمساءلة.

المراجع

  1. Aladwani, Z. F. (2025). The impact of blockchain on contract management and cash flow in Awqaf management for Saudi Arabia. In Next-Generation Business Models: The Role of Advanced Technologies in Defining the Future (pp. 542–556). Springer Nature. https://doi.org/10.1007/978-3-032-00441-3_52
  2. Al-Dabboos, S., Al-Hamidi, A. A., Zakaria, H., & Al-Shaghdari, F. (2025). Exploring the suitable accounting information for stakeholders in Waqf institutions in the Kingdom of Saudi Arabia: A field study. Al-Qanatir International Journal of Islamic Studies, 34(1). https://doi.org/10.64757/alqanatir.2025.3401/1021
  3. Bashir, M. S., Hussin, Z. A. M., & Mahmoud Edris, M. M. A. (2026). Analysing the relationship between governance principles and endowment institution organisational structure: Evidence from Saudi Arabia’s endowment sector. Malaysian Journal of Syariah and Law, 14(2), 324–344. https://doi.org/10.33102/mjsl.vol14no2.1462
  4. Financial Action Task Force (FATF). (2024). Guidance on beneficial ownership and transparency of legal arrangements. FATF. https://www.fatf-gafi.org/content/fatf-gafi/en/publications/Fatfrecommendations/Guidance-Beneficial-Ownership-Transparency-Legal-Arrangements.html
  5. أيوفي. (2020). معيار المحاسبة المالية رقم (37): التقرير المالي للمؤسسات الوقفية. هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. https://aaoifi.com
  6. الشيخ، آلاء. (2025). دور الإعلام الرقمي في تعزيز حوكمة الأوقاف: دراسة تطبيقية على استخدام المؤسسات والجمعيات الوقفية في المملكة العربية السعودية لمنصة (X). المجلة الدولية للاتصال الاجتماعي, 12(3), 532–563.
  7. الهيئة العامة للأوقاف. (2022). لائحة تنظيم أعمال النظارة. القرار الإداري رقم (31/1/18/43). https://web.awqaf.gov.sa/sites/default/files/2022-02/لائحة%20تنظيم%20أعمال%20النظارة%20(النسخة%20النهائية)%20%209-11-2021.pdf
  8. الهيئة العامة للأوقاف. (2024أ). التقرير السنوي للهيئة العامة للأوقاف لعام 2024. https://digitalcms.awqaf.gov.sa/sites/default/files/2025-08/ZAWQAF%252361-0005_Annual_Report_2024_Ver_Media_V40.pdf
  9. الهيئة العامة للأوقاف. (2024ب، فبراير 29). الهيئة العامة للأوقاف تسترد 1.5 مليار ريال لعدد من الأوقاف وتحمي أصولاً بـ 100 مليار ريال. https://web.awqaf.gov.sa/en/media-center/general-authority-endowments-has-recovered-one-billion-and-five-hundred-million-saudi
  10. الهيئة العامة للأوقاف. (2025أ). لائحة إنشاء الأوقاف أو تمويلها من خلال جمع التبرعات. قرار مجلس الإدارة رقم (6/1/47/ت). https://www.uqn.gov.sa/details?p=27532
  11. الهيئة العامة للأوقاف. (2025ب). معايير المستفيد الحقيقي من الأوقاف. قرار مجلس الإدارة رقم (14/1/47/ت).
  12. الهيئة العامة للأوقاف. (2026، يونيو 12). لائحة المنتجات الاستثمارية الوقفية. قرار مجلس الإدارة رقم (21/1/47/ت). https://www.uqn.gov.sa/decisions-and-regulations/4001176
  13. الهيئة العامة للأوقاف. (د.ت.أ). الإفصاح عن بيانات الوقف (مُبين). https://web.awqaf.gov.sa/ar/services/mubean
  14. الهيئة العامة للأوقاف. (د.ت.ب). خدمة تقديم البيانات والقوائم المالية. https://web.awqaf.gov.sa/ar/faq?tid=55
  15. الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين. (2023). معايير المحاسبة للمنشآت غير الهادفة للربح.
  16. نظام الهيئة العامة للأوقاف. (1437هـ). المرسوم الملكي رقم (م/11). https://adlm.moj.gov.sa/attach/1452.pdf
  17. وكالة الأنباء السعودية. (2026، فبراير 22). إطلاق الشهادة الوقفية الرقمية لصندوق “جود الوقفي”. https://www.spa.gov.sa

تعليقات