تحليل نقدي للأنماط الإدارية وتأثير المزاجية على المنظمات
إعداد: د. محمد بن عيدروس باروم
باحث ومدرب معتمد في القيادة والحوكمة والاستراتيجية
كلمات مفتاحية: الإدارة بالمزاج، الانضباط المؤسسي، أنماط القيادة، الذكاء العاطفي، الثقافة المؤسسية.
شهدت الإدارة كعلم تطوّراً ملحوظاً منذ مطلع القرن العشرين، حيث انتقلت من المدرسة الكلاسيكية إلى النماذج الحديثة التي تعتمد على الشمولية والمرونة. فقد قدم بيتر دراكر في الخمسينات إطار الإدارة بالأهداف (MBO)، الذي يركز على تحديد أهداف واضحة وقابلة للقياس ومراجعتها دورياً. ثم تطور هذا المفهوم لاحقاً ليصبح الإدارة بالنتائج (MBR)، والتي تركّز على المخرجات الكمية والمؤشرات الأدائية. ومن المنظور النظامي، أدخل لودفيغ فون برتالانفي مفهوم الإدارة بالأنظمة، الذي ينظر إلى المنظمة كمنظومة مترابطة ذات حلقات تغذية راجعة. كما ظهرت اتجاهات أخرى مثل الإدارة بالقيم التي أكد عليها بلانشارد وغارسيا، حيث تكون القيم والثقافة هي الموجه الأساسي للسلوك المؤسسي.
هذه الأنماط جميعها تشترك في سمة أساسية: أنها تستند إلى إطار منهجي، وتُبنى على أدوات قياس موضوعية، وتوجّه القرارات بناءً على معايير يمكن التنبؤ بها ومراجعتها. لكن في المقابل، هناك نمط غير مكتوب يسود في بعض المنظمات، يصفه البعض بسخرية بعبارة: مزاج المدير هو سياسة الشركة
، وهو ما يمكن تسميته مجازاً بـ الإدارة بالمزاج (Management by Mood).
الإدارة بالمزاج هي نمط إداري غير رسمي يقوم على اتخاذ القرارات بناءً على الحالة النفسية أو المزاجية للقائد في لحظة معينة، بدلاً من الاستناد إلى معايير موضوعية أو سياسات مكتوبة. هذا النمط يؤدي إلى:
من أبرز المظاهر:
الإدارة بالأهداف توفر الشفافية لكنها قد تهمل الجوانب الإنسانية. الإدارة بالأنظمة تمنح شمولية ومرونة لكنها معقدة التطبيق. الإدارة بالقيم تعزز الهوية لكنها تحتاج وقتًا لترسيخها. أما الإدارة بالمزاج فهي أسرع أحيانًا لكنها تفقد العدالة والاستقرار والثقة.
“Management is discipline, not a mood” – Stephen Covey
“When mood becomes policy, chaos becomes culture”
الإدارة ليست انفعالاً لحظياً، بل هي ممارسة منضبطة تستند إلى أهداف، نتائج، أنظمة، أو قيم. أما الإدارة بالمزاج فهي العدو الخفي للانضباط المؤسسي، لأنها تُخرج القرارات من إطارها العقلاني إلى مزاج فردي غير قابل للتنبؤ، فتقود المؤسسة نحو الفوضى.
يمكنكم متابعة مدونتي للمزيد من المقالات في مجال الإدارة والقيادة.
تعليقات
إرسال تعليق