يحلل هذا المقال التحول في مفهوم القوة الاقتصادية من الاعتماد على النفط بوصفه موردًا ريعيًا مركزيًا، إلى اقتصاد معرفي وتقني يُعاد فيه بناء عناصر القوة حول البيانات، والابتكار، وسلاسل القيمة المتقدمة. ويقدّم قراءة تطبيقية للتجربة السعودية في ضوء رؤية 2030، من منظور القيادة والحوكمة والاستراتيجية الاقتصادية.
يعتمد التحليل على بيانات نوعية مستمدة من تقارير رسمية ومصادر دولية ذات موثوقية عالية، إضافة إلى تفسير سياقي للأطر المفاهيمية المتعلقة بالاقتصاد المعرفي والحوكمة الاستراتيجية. وتم تطبيق أسلوب تحليل السياسات بوصفه منهجًا ملائمًا لدراسة التحولات الاقتصادية الكبرى، مع دمج عناصر مقارنة دولية لإبراز خصوصية التجربة السعودية.
في الأدبيات الحديثة للاقتصاد السياسي، لم تعد القوة تُختزل في امتلاك الموارد الطبيعية أو المساحة الجغرافية أو حتى حجم السكان، بل في القدرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها داخل منظومات إنتاجية وابتكارية متجددة. وعليه، ينتقل التحليل من سؤال «ماذا تملك الدولة؟» إلى سؤال «ماذا تستطيع أن تُنتِج وتُطوِّر وتُصدِّر في سلاسل القيمة العالمية؟».
في هذا السياق، تمثّل الرقائق الإلكترونية والعناصر الأرضية النادرة، إضافة إلى البنية الرقمية المتقدمة، عناصر بنية تحتية معرفية، لا مجرد مدخلات صناعية. فهي تمثل القاعدة التي تقوم عليها صناعات الذكاء الاصطناعي، والاتصالات المتقدمة، والسيارات الكهربائية، وأنظمة الدفاع الذكية، وغيرها من الصناعات عالية القيمة.
لا يُقرأ التحول السعودي اليوم بوصفه زيادة تدريجية في مساهمة القطاعات غير النفطية فحسب، بل بوصفه انتقالًا مبرمجًا من اقتصاد ذي طابع ريعي إلى اقتصاد معرفي تقوده التكنولوجيا، والصناعة المتقدمة، ورأس المال البشري المؤهل. ويظهر ذلك في مسارات متوازية على مستوى السياسات والحوكمة والتشريعات والاستثمار في البنية التحتية الرقمية.
انتقل التركيز من تصدير المواد الخام إلى بناء سلاسل قيمة متكاملة تشمل: الاستكشاف، والتعدين، والمعالجة، ثم التصنيع النهائي في مجالات مثل مكونات السيارات الكهربائية، والمغناطيسات عالية الكفاءة، والبطاريات المتقدمة، وأشباه الموصلات. هذا التحول يعكس انتقالًا من بيع المورد إلى بيع المعرفة والتقنية المدمجة فيه.
يُدار هذا التحول عبر منظومة حوكمة تتشارك فيها جهات التخطيط الاقتصادي، والجهات التنظيمية القطاعية، وصناديق الاستثمار التنموية، والجامعات ومراكز البحث. وتتجه هذه المنظومة إلى تقليل التعارض بين الأهداف القصيرة الأجل (النمو، الإيرادات) والأهداف طويلة الأجل (بناء القدرات، توطين التقنية)، من خلال أطر تشريعية وتنظيمية تُحفّز الاستثمار في الصناعات المعرفية.
يواكب التحول الاقتصادي استثمار مكثف في رأس المال البشري عبر برامج الابتعاث المتخصص، والأكاديميات الرقمية، ومبادرات تمكين المرأة والشباب في قطاعات التقنية والبحث والتطوير. ويتكامل ذلك مع استثمارات في الجامعات البحثية، والمناطق الاقتصادية المتخصصة، ومراكز البيانات والحوسبة السحابية.
وتتجسد هذه الرؤية في مؤسسات وبرامج محددة؛ فالهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) تقود الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي، مع طموح أن يسهم الذكاء الاصطناعي بنسبة ملموسة من الناتج المحلي بحلول 2030. كما تعكس مبادرات مثل «أكاديمية سدايا» وبرامج تنمية القدرات الرقمية، والاستثمارات المعلنة في مؤتمرات تقنية كبرى مثل LEAP، حجم الالتزام ببناء قدرات بشرية وتقنية تشكل قاعدة صلبة للاقتصاد المعرفي.
بالمقارنة مع تجارب دول مثل النرويج أو سنغافورة، يمكن ملاحظة قاسم مشترك يتمثل في بناء صناديق سيادية قوية، وتوظيف الفوائض المالية في أصول منتجة، مع ربط ذلك باستراتيجيات واضحة لتنويع القاعدة الاقتصادية وتعزيز دور المعرفة والابتكار. غير أن التجربة السعودية تتميز بحجم الاقتصاد، وعمق التحول، وسرعة إعادة تشكيل البنية التنظيمية والمؤسسية.
كما أن الانتقال الجاري في المملكة لا يقتصر على إعادة توزيع الأوزان بين القطاعات، بل يمتد إلى إعادة تعريف علاقة الدولة بالسوق عبر أدوار جديدة لصناديق التنمية، والشركات المملوكة للدولة، والشراكات مع القطاع الخاص المحلي والدولي، في مجالات الطاقة المتجددة، والتقنيات الرقمية، والصناعات الدفاعية والمدنية المتقدمة.
وعند وضع هذه التحولات في سياق عربي أوسع، يتضح أن متوسط الإنفاق على البحث والتطوير في المنطقة لا يزال أقل من المتوسط العالمي، ما يجعل التقدم السعودي في بناء بنية تحتية معرفية وتقنية متقدمة حالة لافتة يمكن أن تسهم في إعادة رسم خريطة اقتصاد المعرفة عربيًا. ويتعزز هذا الدور باستضافة المملكة لفعاليات علمية كبرى مثل القمة العالمية للأوساط الأكاديمية (Times Higher Education World Academic Summit 2025) في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، بما يعكس اعترافًا متزايدًا بدور السعودية المتنامي في مجالات البحث والابتكار.
لا يخلو هذا التحول من تحديات؛ فإعادة هيكلة الاقتصاد تطرح أسئلة حول كفاءة منظومات التعليم والتدريب، وقدرة سوق العمل على استيعاب تخصصات جديدة، وسرعة التكيّف التنظيمي مع قطاعات ناشئة تتغير بوتيرة عالية مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية.
وتعالج رؤية 2030 هذه التحديات عبر محاور متوازية تشمل تطوير المهارات الوطنية من خلال برامج التدريب النوعي، وتحفيز الاستثمار الخاص في التقنيات المتقدمة، وتعزيز سلاسل الإمداد الوطنية لتقليل المخاطر الخارجية. وتشكل هذه الأدوات جزءًا من منظومة حوكمة تدير التحول الاقتصادي بصورة تدريجية ومستدامة، مع الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي وجاذبية بيئة الاستثمار.
يمكن تلخيص الدلالات الرئيسة للتحول الجاري في المملكة على مفهوم القوة الاقتصادية في النقاط الآتية:
ويتجلى أثر هذا التحول أيضًا في الأرقام؛ إذ تجاوزت مساهمة الأنشطة غير النفطية في السنوات الأخيرة نصف الناتج المحلي الإجمالي، بينما وصلت مساهمة الاقتصاد الرقمي إلى نحو 15٪ من الناتج، بقيمة تقدَّر بمئات المليارات من الريالات. كما أُعلن عن استثمارات بمليارات الدولارات في التقنيات المستقبلية خلال مؤتمرات متخصصة مثل LEAP، ما يعكس انتقالًا فعليًا من اقتصاد ريعي يعتمد على مورد واحد إلى اقتصاد متنوع تقوده التكنولوجيا والخدمات عالية القيمة.
لم يعد النفط اليوم معيارًا وحيدًا للقوة الاقتصادية، حتى في الدول التي تمتلك أكبر الاحتياطيات. فموقع الدولة في اقتصاد المعرفة العالمي، وقدرتها على إنتاج التكنولوجيا والبيانات وتوظيفها، أصبح عنصرًا حاسمًا في تحديد مكانتها الاقتصادية والسياسية.
وبالنظر إلى المسار التصاعدي للتحول الاقتصادي في المملكة، فإن السنوات القادمة مرشحة لظهور صناعات وطنية جديدة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة، وتعزيز مكانة السعودية كمركز إقليمي للمعرفة والابتكار. ويتكامل ذلك مع التوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والبيانات وفق الاستراتيجية الوطنية التي تقودها سدايا، ومع استضافة الفعاليات العلمية والرقمية الكبرى. بذلك تصبح التجربة السعودية نموذجًا ثريًا للدراسة المقارنة في سياسات التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المعرفي، ضمن أطر قيادة وحوكمة تسعى إلى بناء قوة اقتصادية مستدامة تتجاوز حدود النفط إلى آفاق أوسع من المعرفة والابتكار.
د. محمد عيدروس باروم
باحث مستقل ومدرب معتمد في مجالات القيادة، الحوكمة، والاستراتيجية
متخصص في تحليل السياسات العامة ومؤشرات رؤية المملكة 2030
© 2025 جميع الحقوق محفوظة
د. محمد عيدروس باروم
يُسمح بالاقتباس لأغراض علمية وغير ربحية مع الإشارة إلى المصدر
تعليقات
إرسال تعليق