حوكمة بدل الوقف النقدي في ظل نزع الملكية نموذج تكاملي فقهي نظامي مدعوم بمؤشر قياس (W-CPI)

حوكمة بدل الوقف النقدي باستخدام نموذج W-CPI لقياس كفاءة حفظ رأس المال الوقفي في السعودية
حوكمة بدل الوقف النقدي ونموذج W-CPI لقياس حفظ رأس المال الوقفي.

الملخص (Abstract)

تتناول هذه الدراسة الإشكاليات الفقهية والنظامية المرتبطة بإدارة "بدل الوقف" النقدي الناتج عن نزع ملكية الأعيان الوقفية للمنفعة العامة في المملكة العربية السعودية. وتنطلق الدراسة من القاعدة الفقهية المقررة "بدل الوقف له حكم الوقف"، لتحليل مدى التزام نظار الأوقاف والجهات ذات العلاقة بتحويل التعويضات النقدية إلى أصول منتجة، بدلاً من بقائها سيولة راكدة معرضة للتآكل. اعتمدت الدراسة المنهج التحليلي المقارن لربط التأصيل الفقهي الكلاسيكي بالتنظيمات النظامية الحديثة، لا سيما لائحة تنظيم أعمال النظارة.

وتتمثل الإسهامة الأصلية للدراسة في تطوير "مؤشر حفظ رأس المال الوقفي" (Waqf Capital Preservation Index - W-CPI)، كأداة كمية لقياس كفاءة إدارة البدل النقدي، وتحويل القاعدة الفقهية من إطار معياري مجرد إلى أداة رقابية قابلة للتطبيق. وتخلص الدراسة إلى أن تعطيل البدل النقدي يمثل إخلالاً جوهرياً بمقاصد الوقف، ويندرج ضمن مؤشرات ضعف الحوكمة الوقفية. وتوصي بتبني المؤشر كأداة رقابية معتمدة لدى الجهات المشرفة على الأوقاف.

الكلمات المفتاحية: بدل الوقف، نزع الملكية، الحوكمة الوقفية، استبدال الوقف، مؤشر حفظ رأس المال (W-CPI).

Abstract (English)

This study examines the jurisprudential and regulatory challenges associated with managing monetary waqf substitutes resulting from the compulsory expropriation of waqf assets for public interest in Saudi Arabia. Grounded in the Islamic legal principle that "the substitute of a waqf assumes the ruling of the waqf," the study analyzes the extent to which waqf trustees and relevant authorities comply with converting cash compensations into productive assets, rather than allowing them to remain as idle liquidity subject to erosion.

Using a comparative analytical approach, the study bridges classical Islamic jurisprudence with modern regulatory frameworks, particularly the Regulation of Trusteeship (Nazarah). The study’s original contribution lies in developing the "Waqf Capital Preservation Index (W-CPI)," a quantitative tool to measure the efficiency of managing waqf substitutes, thereby transforming a normative legal principle into an applicable monitoring instrument.

The findings indicate that the prolonged idling of cash substitutes constitutes a fundamental breach of waqf objectives and reflects poor waqf governance. The study recommends adopting the W-CPI as a standardized regulatory metric by the General Authority for Awqaf.

Keywords: Waqf Substitute, Expropriation, Waqf Governance, Waqf Replacement, Capital Preservation Index (W-CPI).

1. المقدمة

يُعد الوقف ركيزة أساسية من ركائز التنمية المستدامة في الشريعة الإسلامية، قائماً على فلسفة "تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة". ومع التسارع التنموي في المملكة العربية السعودية، وتوسع مشاريع البنية التحتية والمرافق العامة، برزت ظاهرة "نزع الملكية للمنفعة العامة" التي تطال عقارات وقفية، مما يولد تعويضات نقدية ضخمة تُعرف فقهياً بـ "بدل الوقف".

تكمن الإشكالية البحثية في الممارسات الإدارية التي تؤدي إلى بقاء هذه التعويضات النقدية في الحسابات البنكية أو الخزينة لفترات زمنية ممتدة، دون تحويلها إلى أصول بديلة منتجة. هذا الركود يتعارض مع جوهر القاعدة الفقهية "بدل الوقف له حكم الوقف"، ويعرض رأس المال الوقفي لمخاطر التضخم وفقدان القيمة الشرائية، مما يُفرغ الوقف من مقصده الاستدامي.

تهدف هذه الورقة إلى معالجة هذه الإشكالية عبر منهج تكاملي يربط بين الحكم الشرعي والضابط النظامي، وتقترح حلاً عملياً يتمثل في بناء مؤشر كمي (W-CPI) لقياس كفاءة إدارة البدل النقدي، وسد الفجوة بين النص والتطبيق.

2. مراجعة الأدبيات والإطار النظري

2.1. التأصيل الفقهي: قاعدة "بدل الوقف له حكم الوقف"

استقرت الفتوى عند جمهور الفقهاء على أن ما يحصل عليه الناظر مقابل عين الوقف (بيعاً أو نزعاً) يأخذ حكم العين الموقوفة.

ابن قدامة المقدسي (الحنبلي):

"وإذا بيع الوقف لمصلحة راجحة، صُرف ثمنه في مثله؛ لأن المقصود بقاء نفعه" (المغني، باب الوقف).

ويُفهم من تقريره أن المبادرة إلى الإبدال أقرب لتحقيق مقصود الوقف، مما يستلزم عدم التأخير في التحويل ما لم يمنع عذر قاهر.

شمس الدين الزركشي (الشافعي):

قرر الزركشي أن المقصود من الوقف استدامة المنفعة، وأن الأموال النقدية لا تحقق هذا المقصد إلا إذا وُجهت إلى استثمار منتج (مستفاد من قواعده في الوقف وأحكام المساجد). وهذا التوجيه يُحذر من تحول النقد الوقفي إلى أصل راكد.

شهاب الدين القرافي (المالكي):

"الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يقوم دليل التغيير".

ومن ثم، إذا تحولت عين الوقف إلى بدل، نُقل الحكم إليه تحقيقًا للمقصد، فيلزم فيه ما يلزم في الأصل من الحفظ والتثمير (الفروق).

2.2. التكييف الفقهي-النظامي المزدوج

يمكن تكييف بدل الوقف في النظام السعودي المعاصر على أنه:

  1. مال وقفي من حيث الملكية: غير قابل للتملك الشخصي، وخاضع لحكم الحبس واستدامة المنفعة (منع الاستهلاك).
  2. مال استثماري من حيث الإدارة: يخضع لمعيار الكفاءة والغبطة، ويتطلب توظيفاً أمثل يعظم العائد ضمن الضوابط الشرعية (منع التعطيل).
هذا التكييف المزدوج يفرض التزاماً مركباً على الناظر: الحفظ النوعي (ضد الضياعة) والحفظ الكمي (ضد التضخم).

3. الإطار النظامي في المملكة العربية السعودية

يستند الإطار النظامي السعودي في إدارة بدل الوقف النقدي إلى مبدأ حفظ الأصل وتحقيق الغبطة، لا إلى مجرد الحفظ الشكلي للمال. ويُعد نظام الهيئة العامة للأوقاف الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/11) وتاريخ 26/2/1437هـ الإطار التشريعي المؤسس لهذا التوجه، حيث يؤكد التنظيم على حفظ أصول الوقف، وضبط تصرفات الناظر، وربط الاستبدال وتحريك الأصول الوقفية بالمصلحة والغبطة والإذن النظامي.

وتكتسب لائحة تنظيم أعمال النظارة أهمية محورية في هذا السياق؛ إذ تنص صراحةً على إلزام الناظر بمجموعة من الواجبات الجوهرية تشمل: العناية، تحقيق الغبطة، حماية الوقف، الإدارة المالية السليمة، الاستثمار المنتج، الرقابة الذاتية، والخضوع للمساءلة والعقوبات عند الإخلال. وبناءً على ذلك، فإن إبقاء بدل الوقف النقدي راكدًا لفترة ممتدة دون استثمار أو استبدال لا يُعد مجرد تأخير إداري، بل قد يمثل إخلالاً بواجب الغبطة وحفظ القيمة الوقفية، وهو ما تؤسس اللائحة لمساءلته من خلال منظومة واضحة من الضوابط الرقابية والعقوبات التأديبية.

الفجوة التطبيقية: رغم وضوح الضوابط، فإن غياب آلية رقابية كمية لقياس "مدة التعطيل" و"أثر التضخم" أدى إلى تراخي في تنفيذ الاستبدال أو الاستثمار خلال مدة معقولة ومنضبطة، مما يستدعي تدخلاً منهجياً يربط الامتثال الشكلي بالأداء الموضوعي.

4. المنهجية ونموذج القياس (W-CPI)

اعتمدت الدراسة المنهج التحليلي للنصوص، والمنهج الكمي لبناء المؤشر.

4.1. تصميم مؤشر حفظ رأس المال الوقفي (W-CPI)

يهدف المؤشر إلى قياس كفاءة إدارة البدل النقدي، حيث تشير القيمة الأعلى إلى كفاءة أعلى وحفظ أفضل للرأس المال.

معادلة المؤشر (المُحدَّثة):

W-CPI = (R × E) / ((1 + T) × I)

حيث:

  • R (Reinvestment Ratio): نسبة المبلغ المعاد استثماره أو استبداله من إجمالي التعويض (تتراوح بين 0-1).
  • E (Investment Efficiency): كفاءة العائد الاستثماري للبديل مقارنة بمعدل التضخم السنوي (مؤشر أداء نسبي).
  • T (Time Lag): مدة التعطيل بالسنوات (من تاريخ استلام التعويض حتى تاريخ الاستبدال/الاستثمار).
  • I (Inflation Impact): معامل أثر التضخم التراكمي خلال فترة التعطيل.
  • (1+T): معامل زمني معدل يضمن استقرار المعادلة رياضيًا ويمنع التضخم غير المنضبط عند قصر مدة التعطيل.

تفسير المؤشر:

  • إذا كانت W-CPI > 1: فإن إدارة البدل حققت حفظاً ونمواً حقيقياً للقيمة.
  • إذا كانت W-CPI < 1: فإن هناك تآكلاً في رأس المال الوقفي بسبب التعطيل أو سوء الاستثمار.
  • كلما انخفضت مدة التعطيل، تحسنت قيمة المؤشر، مع بقاء المؤشر مستقرًا رياضيًا من خلال اعتماد معامل زمني معدل.

4.2. فرضيات الدراسة

  • H1: توجد علاقة عكسية ذات دلالة إحصائية بين مدة التعطيل (T) وقيمة المؤشر (W-CPI).
  • H2: توجد علاقة طردية بين كفاءة الاستثمار (E) وقيمة المؤشر.
  • H3: يؤثر التضخم (I) سلباً على قيمة المؤشر في حال طول فترة التعطيل.

5. التطبيق التجريبي (دراسة حالة افتراضية)

لمعايرة دقة المؤشر، تم تطبيقه على نموذج افتراضي يحاكي واقع ثلاثة أوقاف تعرضت لنزع ملكيتها، ببيانات مستمدة من المعطيات السوقية والقضائية المعاصرة. ففي الحالة الأولى (وقف أ)، والذي بلغ تعويضه 10 ملايين ريال، بادر الناظر إلى الاستبدال أو الاستثمار خلال مدة معقولة ومنضبطة (ستة أشهر فقط، T=0.5)، مع تحقيق كفاءة استثمارية بلغت 5% فوق التضخم (E=1.05)، وأسفر ذلك عن قيمة مؤشر تعكس حفظًا فاعلاً للقوة الشرائية وتحقيقًا مقاصديًا للغبطة.

أما في الحالة الثانية (وقف ب)، فبلغ التعويض 20 مليون ريال، لكن استغرق إتمام الاستبدال عامين كاملين (T=2)، ورغم اكتمال نسبة إعادة الاستثمار (R=1.0)، فإن أثر التضخم التراكمي (I=1.06) وكفاءة الاستثمار المحدودة (E=1.03) أدت إلى هبوط قيمة المؤشر، مما يكشف عن تآكل حقيقي في رأس المال الوقفي رغم السلامة الشكلية للإجراءات.

وفي الحالة الثالثة الأكثر تعقيدًا (وقف ج)، تعطل التعويض البالغ 50 مليون ريال لأربع سنوات (T=4)، مع إعادة استثمار جزئي بنسبة 80% فقط (R=0.8)، وتضخم تراكمي وصل إلى 12% (I=1.12)، فانهارت قيمة المؤشر إلى مستوى ينذر بخلل جوهري في الحوكمة الوقفية، ويؤكد أن طول مدة التعطيل واقترانه بتضخم مرتفع يحول البدل النقدي من أداة استدامة إلى عبء مالي مستنزف.

وتُظهر هذه النماذج الافتراضية بوضوح العلاقة العكسية بين مدة التعطيل وقيمة المؤشر، مما يدعم الفرضيات البحثية ويقدم أساسًا كميًا لتبني W-CPI كأداة رقابية معتمدة.

6. المناقشة

تكشف النتائج عن فجوة بين "الامتثال الشكلي" (إيداع المال في البنك) و"الامتثال الموضوعي" (حفظ القوة الشرائية).

  • فقهاً: التأخير في الاستبدال مع القدرة عليه يُعد تفريطاً في الأمانة، ويخالف مقصد الواقف في استدامة المنفعة.
  • نظاماً: عدم تفعيل الاستثمارات قصيرة الأجل أثناء فترة الانتظار يُخالف روح لائحة تنظيم أعمال النظارة التي تشترط الغبطة والكفاءة الإدارية.
  • حوكمياً: غياب مؤشر مثل (W-CPI) يجعل من الصعب محاسبة الناظر على "تآكل القيمة" غير الظاهر محاسبياً، رغم وجوده اقتصادياً وشرعياً.

7. التوصيات

  1. اعتماد مؤشر (W-CPI) كأداة رقابية: إلزام نظار الأوقاف والجهات المشرفة بحساب المؤشر دورياً لكل بدل نقدي، واعتبار انخفاضه عن (1.0) مؤشراً على خلل حوكمي يستدعي التدخل التصحيحي.
  2. الاستثمار المرحلي الإلزامي: في حال تعذر الاستبدال العقاري الفوري، يُلزم النظام الناظر بتوجيه النقد فوراً إلى صناديق وقفية سيولة عالية أو أدوات تمويل قصيرة الأجل متوافقة مع الشريعة، لضمان أن يكون E موجباً ومغطياً للتضخم.
  3. تقليل مدة التعطيل (T): وضع سقف زمني إجرائي واضح لاعتماد البدائل، مع ضمان الاستبدال أو الاستثمار خلال مدة معقولة ومنضبطة، وتفعيل آليات المساءلة النظامية عند التجاوز غير المبرر.
  4. تعويض الأثر الزمني للنقد عبر أدوات استثمارية متوافقة مع الشريعة: بما يحفظ القوة الشرائية للأصل الوقفي، وتجنب الصيغ الربوية، مع تفعيل آليات التحوط المالي المباحة عند الضرورة.

8. الخاتمة

لا يتحقق حفظ الوقف بمجرد بقاء الرقم المحاسبي في الحساب، بل ببقاء "القدرة الشرائية" و"الإنتاجية" للأصل. إن كل يوم يمر على بدل الوقف وهو راكد هو خصم صافي من قيمة الوقف ومستقبل مستحقيه. إن تبني نموذج تكاملي يربط الفقه بالنظام، ويدعمه بأداة قياس كمية مثل (W-CPI)، يمثل خطوة نوعية نحو ترسيخ حوكمة رشيدة تحفظ الأوقاف من التآكل الخفي، وتحقق رؤية المملكة 2030 في تنمية القطاع غير الربحي ورفع مساهمته في الناتج المحلي.

والله الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

المراجع (References)

  1. Ibn Qudamah, A. M. (n.d.). Al-Mughni. Dar Alam Al-Kutub.
  2. Al-Qarafi, S. A. (n.d.). Al-Furuq. Alam Al-Kutub.
  3. Al-Zarkashi, M. B. (n.d.). Al-Manthur fi Al-Qawa'id. Dar Al-Kutub Al-Ilmiyyah.
  4. Royal Decree No. M/11. (2016). General Authority for Awqaf Law. Umm Al-Qura Gazette, Kingdom of Saudi Arabia.
  5. General Authority for Awqaf. (2021). Regulation of Trusteeship Works: لائحة تنظيم أعمال النظارة. Saudi Arabia.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة