سلسلة BIS المعرفية | BIS-KS-02
عندما تصبح الإجراءات أهم من الرسالة
كيف تتحول الأنظمة إلى غاية في حد ذاتها؟
إذا لم تكن قد قرأت الوحدة الأولى، فمن المستحسن البدء بها لفهم السياق الكامل للسلسلة:
BIS-KS-01 | متى تبدأ المؤسسة الناجحة في فقدان بوصلتها؟
المشهد المؤسسي
دخل أحد المراجعين إلى جهة خدمية وهو يحمل جميع المستندات المطلوبة. كانت الإجراءات واضحة، والموظفون ملتزمين باللوائح، والنظام الإلكتروني يعمل كما ينبغي. ومع ذلك، خرج بعد ساعات دون أن تُحل مشكلته.
لم يكن السبب نقصاً في الموارد، ولا غياباً للنظام، ولا تقصيراً متعمداً من أحد. على العكس، بدا كل شخص يؤدي دوره كما هو مطلوب.
هل ما زالت الإجراءات تخدم الغاية التي وُضعت من أجلها؟
المفارقة
كلما ازداد النظام انضباطاً، ازداد هذا السؤال إلحاحاً.
فقد تكون المؤسسة أكثر التزاماً بلوائحها من أي وقت مضى، ومع ذلك تصبح أقل قدرة على تحقيق رسالتها.
كيف يحدث ذلك؟
كيف يمكن للإجراءات، التي صُممت لتسهيل العمل، أن تتحول تدريجياً إلى ما يعيق تحقيق الهدف الذي وُجدت من أجله؟
السؤال المركزي
بداية التفسير
يصعب أن نتصور أن المشكلة قد تبدأ من شيء صُمم في الأصل لحل المشكلات. فالأنظمة، والإجراءات، واللوائح، ليست خصماً للمؤسسات، بل هي من أهم أسباب استقرارها واستمرارها. ومن دونها، يتحول العمل إلى اجتهادات فردية يصعب ضبطها أو تطويرها.
لكن ما يجعل الأنظمة مفيدة في بدايتها، قد يجعلها مع مرور الوقت عرضة لتحول مختلف.
ليس لأن أحداً قرر ذلك، بل لأن المؤسسات تتغير، بينما قد تبقى وسائل العمل على حالها زمناً أطول مما ينبغي.
كيف يبدأ التحول؟
في البداية، تُصمم الإجراءات لتسهيل الوصول إلى هدف معين. ثم تُقاس جودة العمل بمدى الالتزام بهذه الإجراءات، وهو أمر يبدو منطقياً في كثير من الأحيان.
ومع مرور الوقت، يزداد الاهتمام بما يمكن قياسه بسهولة: عدد النماذج المكتملة، والمدة الزمنية، ونسب الالتزام، ومؤشرات الإنجاز.
كل ذلك مهم.
السؤال عن الغاية التي وُجدت هذه الإجراءات لتحقيقها.
التحول الصامت
لنفترض أن مستشفى وضع نظاماً لتسريع استقبال المرضى. بعد سنوات، أصبح نجاح النظام يُقاس بسرعة تسجيل المراجعين، بينما أصبح زمن حصولهم على الرعاية الفعلية يتزايد.
لم يتوقف أحد عن أداء عمله.
ولم تُخالف اللوائح.
لكن المعيار الذي كان وسيلة لتحسين الخدمة، بدأ يتحول تدريجياً إلى الهدف الذي يُحتفى به.
وقد يحدث الشيء نفسه في مدرسة، أو جامعة، أو شركة، أو جهة حكومية.
تظل الإجراءات تُنفذ بكفاءة، بينما يبتعد الواقع شيئاً فشيئاً عن الغاية التي أُنشئت تلك الإجراءات من أجلها.
إعادة تعريف النجاح
وربما تكمن هنا إحدى أكثر التحولات هدوءاً في حياة المؤسسات.
فبدلاً من أن يكون النجاح هو تحقيق الرسالة، يبدأ النجاح بالتشكل حول القدرة على الالتزام بالنظام ذاته.
لا يحدث ذلك بقرار واحد.
ولا يعلنه أحد.
بل ينمو من خلال اختيارات صغيرة، تتكرر كل يوم، حتى يصبح من الطبيعي أن يُسأل:
قبل أن يُسأل:
وعندما يحدث هذا التحول، لا يبدو النظام وكأنه انحرف، بل يبدو أكثر انضباطاً من أي وقت مضى.
السؤال الذي يسبق المفهوم
إذا كان النظام لا يزال يعمل، والإجراءات تُنفذ، والمؤشرات تبدو مستقرة...
فكيف يمكن أن يكون الاتجاه قد بدأ يتغير؟
مدخل إلى المفهوم
في المرحلة السابقة، رأينا كيف يمكن للإجراءات، رغم دقتها وكفاءتها، أن تصبح تدريجياً وسيلة تبتلع غايتها الأصلية.
ورأينا أن هذا التحول لا يحدث بقرار معلن، بل من خلال تراكم اختيارات صغيرة تكرر يومياً، حتى يصبح السؤال الأساسي:
أكثر حضوراً من السؤال الأعمق:
وليس هذا مجرد تغير في طريقة العمل. بل هو تغير في منطق المؤسسة نفسه.
لذلك نحتاج إلى مفهوم يلتقط هذه الظاهرة بدقة، ويجعلها قابلة للرصد والفهم، ليس كحالة فردية، بل كنمط مؤسسي متكرر.
المفهوم: الامتثال الشكلي مقابل روح المقصد
يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها توتراً بين منطقين مختلفين.
من جهة، يوجد الميل إلى تقييم النجاح من خلال مدى الالتزام بالإجراءات كما هي مكتوبة.
ومن جهة أخرى، يبقى سؤال الغاية حاضراً: هل ما زالت هذه الإجراءات تخدم المقصد الذي وُضعت من أجله؟
كيف يحدث الانحراف؟
يبدأ التحدي عندما يحل الامتثال الشكلي محل روح المقصد تدريجياً، دون أن يلاحظ أحد. ويمكن تتبع هذا التحول في أربع خطوات متسلسلة:
- أولاً، يقل سؤال الغاية. يصبح الحديث عن "الهدف النهائي" أمراً نظرياً، بينما يصبح الحديث عن "الإجراءات" هو الشغل اليومي الشاغل.
- ثانياً، يُعاد تعريف النجاح. لم يعد النجاح هو تحقيق الرسالة، بل أصبح القدرة على الالتزام بالنظام ذاته. المؤشرات التي يمكن قياسها بسهولة تحل محل المؤشرات التي تعكس الأثر الحقيقي.
- ثالثاً، تصبح الإجراءات هي المرجع. لم تعد القواعد مجرد وسائل، بل أصبحت هي المعيار الذي تُقيم به المؤسسة نفسها. والسؤال "هل نفذنا الإجراءات؟" يحل محل السؤال "هل حققنا الغاية؟".
- رابعاً، تتوقف المراجعة. لأن النظام ينجح في المعايير التي وضعها لنفسه، يصبح السؤال عن الغاية غير ضروري، بل قد يُنظر إليه على أنه تشكيك في النظام نفسه.
وبهذا، تتحول المؤسسة من أداة لخدمة الهدف، إلى نظام يعمل لخدمة بقائه وإعادة إنتاج نفسه.
لماذا يصعب اكتشاف هذا التحول؟
لأن الانحراف لا يظهر كفشل واضح. بل يظهر كنجاح متكرر، وفق معايير أصبحت هي المرجع.
المؤشرات لا تزال خضراء.
التقارير إيجابية.
الموظفون يلتزمون باللوائح.
لكن الغياب الأكبر، هو غياب السؤال عن الغاية نفسها.
وهكذا، تصبح الإجراءات هي الرسالة، وتصبح الرسالة مجرد شعار على الجدران.
المفارقة المؤسسية
الغريب في الأمر، أن هذا التحول قد يحدث في المؤسسات الأكثر انضباطاً، والأكثر التزاماً بالأنظمة. فهي تنجح في تحقيق مؤشراتها، وتفشل في تحقيق رسالتها، دون أن تشعر بأنها فشلت.
تعليقات
إرسال تعليق