الحوكمة المؤسسية من الإطار المفاهيمي إلى اختبار الممارسة الفعلية في المنظومة الإدارية المعاصرة بقلم: د. محمد عيدروس باروم ملخص تنفيذي الحوكمة ليست وثائق امتثال صامتة. هي منظومة قرار ومسؤولية توازن السلطة داخل المؤسسة، وتربط التفويض بالمحاسبة. قيمتها تظهر عندما تمنع الانحراف قبل وقوعه، لا عندما تبرره بعد حدوثه. مقدمة لم تعد الحوكمة المؤسسية اليوم سؤالًا تنظيريًا يدور في أروقة البحث الأكاديمي، بل أصبحت اختبارًا عمليًا لسلامة المؤسسات وقدرتها على الاستمرار. فالكثير من الكيانات تمتلك لوائح حوكمة مكتوبة، وهياكل رسمية مكتملة، ومع ذلك تتعثر في الأداء، أو تتعرض لانهيارات إدارية ومالية مفاجئة. وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تفشل بعض المؤسسات “الملتزمة بالحوكمة” على الورق؟ الجواب لا يكمن في غياب الأطر، بل في الفجوة بين تبنّي الحوكمة كنظام شكلي، وممارستها كمنظومة قرار وسلوك ومسؤولية. أولًا: التعريف والتأصيل المفاهيمي في جوهرها الأكاديمي، تمثل الحوك...
شرط الواقف بين الإلزام الشرعي والتعطيل التاريخي - د. محمد عيدروس باروم

شرط الواقف بين الإلزام الشرعي والتعطيل التاريخي

"قراءة فقهية في ضوء القضاء الوقفي وتداول النظارة"

صورة توضيحية

تمهيد

يُعد الوقف من أعظم المؤسسات الإسلامية التي أرست دعائم الاستدامة، والعدالة الاجتماعية، والتكافل، وحماية رأس المال من التآكل. وقد اعتنت الشريعة الإسلامية بجوانب تأسيسه وتفعيله والرقابة عليه. ومن أبرز عناصر الوقف: "شرط الواقف"، الذي يُنظر إليه على أنه نَصٌّ شرعي، ما لم يتعارض مع نص أو مصلحة معتبرة.

أولًا: مكانة شرط الواقف في الفقه الإسلامي

اتفق جمهور الفقهاء على أن شرط الواقف يُعد كنص الشارع، وعبّروا عن ذلك بقولهم: "شرط الواقف كنص الشارع، ما لم يخالف نصًا أو يُعطِّل مصلحة".

وهو ما يعني أن شرط الواقف يُلزِم، ويُحتكم إليه، طالما:

  • لا يُخالف مقصود الشريعة،
  • ولا يُؤدي إلى ظلم أو تمييز غير مبرر،
  • ولا يُصادم الواقع المعمول به أو يهدد استقرار الوقف.

ثانيًا: متى يُراجع أو يُسقط شرط الواقف شرعًا؟

رغم الاحترام الكبير لشرط الواقف، إلا أن الفقهاء المعاصرين، وفتاوى المجامع الفقهية، أقرت بوضوح أن الشرط يُراجع ويُلغى في الأحوال التالية:

  1. إذا تعارض مع مصلحة الوقف أو ضرّ بمستحقيه.
  2. إذا ثبت أنه شرط تعسفي، أو لا سند له من المصلحة الشرعية.
  3. إذا تجاوزه الواقع فعليًا زمناً طويلاً وسكت عنه الورثة والجهات المختصة.
  4. إذا ثبت أنه أُدرج في الصك دون تنفيذ حقيقي له، أو تم تجاوزه بقرارات قضائية لاحقة.
  5. إذا أفضى إلى احتكار النظارة من غير الأكفّاء، أو أدى إلى إقصاء غير مبرر لفئة من الذرية.

ثالثًا: دور القضاء الشرعي في إعادة التوازن

في حالات متعددة، تولّى القضاء الشرعي مسؤولية معالجة الشروط الوقفية القديمة، وذلك عندما:

  • أصبحت معطِّلة للمصلحة.
  • أو أثارت نزاعات داخلية في الذرية.
  • أو أفرزت حالات تهميش لفروع كاملة من العائلة الوقفية.

ويُعد تدخل القضاء في هذه الحالة واجبًا شرعيًا وتنظيميًا، لا يُخالف شرط الواقف، بل يحقق مقصده الحقيقي: حفظ الوقف وصرف منافعه بعدل وكفاءة.

رابعًا: التوريث العرفي للنظارة… خطر خفي

من الظواهر التي بدأت تتسلل إلى بعض الأوقاف: توريث النظارة عرفًا دون نص أو مراجعة.

وقد أشار الفقهاء إلى أن: "النظارة لا تُورَّث إلا بنص من الواقف"،

وأن الاستئثار بها من فرع معين دون مبرر شرعي، يُعد من التعدي على الوقف.

لذا يجب أن تُدار النظارة:

  • بالكفاءة لا بالقرابة فقط،
  • وبالشفافية لا بالعرف العائلي،
  • وبالتجديد لا بالتقادم.

خامسًا: حالة الشروط المانعة التي سقطت بالتقادم القضائي

في عدد من الوقائع التاريخية، وُجد في صك الوقف شرط يمنع فئة معينة من أبناء العم أو ذرية فرعية من تولي النظارة.

لكن – بمرور الزمن – ثبت الآتي:

  • أن القضاء أقام فعليًا نظارًا من هذه الفئة،
  • وأن التنفيذ تم رسميًا دون اعتراض،
  • وأن الجهات الرقابية سكتت عن ذلك لعقود،
  • وأن الوقف استقر على هذا النحو، ورضي الورثة بالمجريات.

وعليه، فإن هذا الواقع يُعد قرينة شرعية قوية على سقوط المنع، وتغير الحال، ومشروعية مراجعة الشرط.

قال الفقهاء: "ما استقر عليه القضاء، وسكتت عنه الجهات، وأجرته العادة، يأخذ حكم الاستقرار الشرعي، ما لم يُظهر مفسدة أو ظلم".

سادسًا: أثر غياب الحسابات البنكية والحوكمة على تنفيذ شروط الواقف

من أبرز مظاهر التعطيل في بعض الأوقاف اليوم، عدم فتح حساب بنكي رسمي باسم الوقف، مما يُعطّل:

  • صرف الاستحقاقات،
  • تقديم التقارير للمستحقين،
  • الشفافية في الإيرادات والمصروفات،
  • تنفيذ شرط الواقف المتعلق بصرف العوائد بعد الصيانة.

وقد نادت الجهات المختصة، ومنها الهيئة العامة للأوقاف، بضرورة:

  • إنشاء حسابات بنكية مخصصة باسم الوقف،
  • إدارة الوقف بنظام مالي ومحاسبي سليم،
  • ورفع تقارير دورية للمستحقين.

خاتمة

إن احترام شرط الواقف لا يعني تجميده على حساب العدالة، ولا يعني غض الطرف عن استحقاقات معلومة، أو ظلم واقع على فئة من الذرية، وإن تدخل القضاء أو الجهات الإشرافية في مراجعة الشروط لا يُعد انتقاصًا من الواقف، بل هو تحقيق لقصده في الاستدامة، والعدالة، وصلاح الذرية، فالوقف رسالة، لا مجرد صك، ومقصده: حفظ المال، وعدالة الانتفاع، وكفاءة الإدارة.

وكل شرط يُعيق هذه المقاصد، يجب أن يُراجع بعين الفقه والرحمة والواقع.

تنويه أكاديمي: قد تبدو تواريخ النشر متقاربة، نظرًا لعملية نقل وأرشفة الأبحاث والمقالات إلى المدونة بعد تدشينها

إعداد: د. محمد عيدروس باروم

باحث أكاديمي ومدرب معتمد في القيادة، الحوكمة، والاستراتيجية والوقف

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة