تجاوز القيادة الفردية
ملخص مركز
في سياق بيئات العمل والمجتمعات المعاصرة المتسمة بالتعقيد الديناميكي (Dynamic Complexity)، لم يعد النموذج الهرمي التقليدي، حيث تتركز السلطة في شخص واحد، كافيًا لضمان المرونة والاستدامة. يعتمد هذا المقال على الإطار النظري للقيادة المشتركة (Shared Leadership) والقيادة التوزيعية (Distributed Leadership) ليقدم تحليلاً عمليًا لكيفية بناء أنظمة قادرة على الاستمرار والتكيف دون الاعتماد المفرط على قائد فردي. يسعى المقال إلى تحويل التركيز من شخصنة القيادة إلى مؤسستها.
الإطار النظري: من القيادة الفردية إلى القيادة كعملية تشاركية
تتجاوز القيادة المشتركة، كما يعرفها بيرس وكونجر (Pearce & Conger, 2003)، مفهوم المنصب لتُعرَّف على أنها عملية تأثير تفاعلية وديناميكية يمارسها أعضاء فريق أو منظمة فيما بينهم. هذا النموذج لا يلغي دور القائد الرسمي، بل يحوله من مصدر وحيد للتأثير إلى ميسر وموجه لنظام قيادي أوسع.
يقترن هذا بشكل وثيق بمفهوم السلطة الهادئة (Quiet Authority) الذي يعتمد على النفوذ المستمد من الخبرة والحكمة والتساؤلات المحورية بدلاً من السلطة الرسمية أو البلاغة الصاخبة. وهو ما يتماشى مع القيادة التحويلية (Transformational Leadership) في سعيها لتمكين الآخرين ورفع مستوى هممهم.
النقاط الجوهرية
- القيادة المشتركة عملية تأثير متبادل وليست منصبًا ثابتًا.
- السلطة الهادئة نفوذ معرفي وسلوكي لا يحتاج ضجيجًا.
- الهدف النهائي: تحويل القيادة من «شخص» إلى «نظام».
الآلية التطبيقية: ثلاث خطوات مؤسسية للتحول
يمكن ترجمة هذا الإطار النظري إلى خارطة طريق عملية قائمة على خطوات مؤسسية واضحة:
-
1) إعادة تصميم الهيكل (Restructuring Authority)
هذه الخطوة ليست تفويضًا مؤقتًا، بل هي تفكيك طوعي للمركزية. تتضمن نقل الصلاحيات الرمزية والتشغيلية (كالرقابة، والبدء في المبادرات) إلى دائرة جماعية، مما يحول مسؤولية النتائج من عبء فردي إلى مسؤولية جماعية مؤسسية.
-
2) خلق "الفراغ الإيجابي" (Creating Positive Void)
الانسحاب الاستراتيجي للقائد التقليدي لا يهدف إلى ترك فوضى. بل هو فتح مساحة مقصودة (Intentional Space) تختبر نضج النظام. هذا الفراغ يعمل كمحفز (Catalyst) يجبر الأفراد على امتلاك المبادرة والانتقال من حالة الاعتمادية (Dependence) إلى المسؤولية الذاتية (Agency).
-
3) تأسيس الآليات فوق الأشخاص (Institutionalizing Processes)
يتحول التركيز من الولاء أو الاستجابة لشخص معين، إلى العمل وفق آليات وإجراءات واضحة ومتفق عليها. تصبح القيادة وظيفة (Function) مرتبطة بالمهام والمعرفة المطلوبة، وليست منصبًا (Position) دائمًا لفرد.
تحليل مقارن: تحول نموذجي من المركزية إلى التوزيع
يمثل الانتقال من النموذج الهرمي التقليدي إلى نموذج القيادة المشتركة تحولاً جوهرياً في عدة أبعاد أساسية. فيما يلي تحليل لهذا التحول النموذجي:
أولاً: في مصدر الشرعية والقوة
يستمد النموذج التقليدي شرعيته من المنصب الرسمي والسلطة الممنوحة (Positional Power)، حيث تتركز شرعية القرار والقدرة على التأثير في يد فرد أو طبقة إدارية محددة. في المقابل، تستمد القيادة المشتركة شرعيتها من مصادر أكثر توزعاً، مثل المعرفة المتخصصة (Expertise)، والجاهزية للمبادرة، والاتفاق الجماعي الذي ينبثق من الحوار المشترك. هنا، تصبح القدرة على الإسهام الفعلي ودفع الأمور نحو الهدف المشترك هي الأساس.
ثانياً: في نمط التأثير والتوجيه
يتميز النموذج الهرمي بتدفق أحادي الاتجاه للتأثير، من القمة إلى القاعدة (Top-Down). تكون الأوامر والتوجيهات صادرة من مركز واحد ومتلقاة من قبل الآخرين. على العكس من ذلك، فإن نموذج القيادة المشتركة يقوم على تأثير متبادل ومتعدد الاتجاهات (Mutual & Multi-directional Influence). يتفاعل الأعضاء فيما بينهم، ويقود بعضهم بعضاً في أوقات وأوضاع مختلفة بناءً على متطلبات الموقف، مما يخلق ديناميكية تفاعلية غنية.
ثالثاً: في نقطة الفشل وموضع الخطر
يشكل النموذج المركزي نقطة فشل مركزة (Single Point of Failure)؛ ففشل أو غياب أو خطأ القائد الفردي يمكن أن يعطل النظام بأكمله أو يشل فاعليته. بينما يتميز نموذج القيادة المشتركة بنقاط فشل موزعة ومرنة (Distributed & Flexible Points of Failure). نظراً لتوزيع المهام والمعرفة والمسؤولية، يمتلك النظام قدرة ذاتية على التعويض والاستمرار عند تعطل أو غياب أي جزء منه، مما يعزز مرونته.
رابعاً: في الثقافة التنظيمية السائدة
ينتج عن النموذج التقليدي غالباً ثقافة الاعتمادية والانتظار (Dependent Culture)، حيث يعتاد الأفراد على تلقي التوجيه وينتظرون الإذن للمبادرة. أما في بيئة القيادة المشتركة، فإن الثقافة السائدة تتجه نحو ثقافة الملكية والمبادرة (Ownership & Initiative Culture). يشعر الأفراد بمسؤولية مشتركة تجاه النتائج، مما يحفزهم على تحمل المسؤولية والمبادرة بشكل استباقي لحل المشكلات واغتنام الفرص.
التوصيات والاستخلاصات: نحو ممارسة قيادية مؤسسية
-
1) الثقة في النظام فوق الفرد
تبني أنظمة قائمة على آليات واضحة ومشاركة جماعية يخلق مرونة مؤسسية (Organizational Resilience) تفوق بكثير الاعتماد على كفاءة فرد، مهما كانت عالية. المرونة هنا هي قدرة النظام على امتصاص الصدمات والاستمرار.
-
2) التأثير بلا منصب
يمكن ممارسة قيادة فعالة من خلال النفوذ المعرفي (Expert Power) والاتساق السلوكي، وطرح الأسئلة المحورية التي تعيد توجيه التفكير الجماعي نحو الأهداف الأساسية.
-
3) الصمت كاستراتيجية
الصمت الاستراتيجي ليس غيابًا، بل هو أداة قيادية فاعلة. هو مساحة للتفكير والاستماع تتيح للآخرين المساهمة، مما يؤدي إلى قرارات جماعية أكثر ثراءً والتزامًا أوسع.
-
4) التحول يحتاج شجاعة نضج
يتطلب تطبيق هذا النموذج من القائد شجاعة الابتعاد عن مركز الضوء، والثقة في حكمة الجماعة، وتحمل مخاطر المرحلة الانتقالية من أجل تحقيق استقلالية النظام على المدى الطويل.
الخلاصة
في النهاية، قد يكون الإرث الأكثر ديمومة للقائد في عصرنا المعقد ليس هو بناء تبعية شخصية له، بل هو تصميم نظام فعال ومستقل لا يحتاجه. تظهر حقيقة القيادة المؤسسية عندما يختفي القائد الفردي من الواجهة، ويستمر النظام في العمل بفعالية، مما يثبت أن القيادة قد تحولت من حالة فردية عابرة إلى مبدأ مؤسسي راسخ وقادر على الاستمرار.
مرجعيات نظرية اعتمد عليها الطرح
- Pearce & Conger (2003)
- Carson et al. (2007)
- Gronn (2002)
- Spillane (2006)
نقاش مفتوح
هل ترون أن الثقافة المؤسسية السائدة في بيئات عملنا العربية مهيأة لتبني مثل هذه النماذج التوزيعية؟ وما التحديات الرئيسية التي قد تواجه تطبيق "السلطة الهادئة" في سياقاتنا؟
© 2026 جميع الحقوق محفوظة
د. محمد عيدروس باروم
يُسمح بالاقتباس لأغراض علمية غير ربحية مع الإشارة إلى المصدر
تعليقات
إرسال تعليق